مش مجرد حر.. الإجهاد الحراري يضرب الإنسان والمحاصيل ويهدد الإنتاج الزراعى


مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، يتكرر الحديث عن «الإجهاد الحراري» باعتباره أحد أبرز الآثار الناتجة عن التعرض لفترات طويلة من الطقس شديد الحرارة، إلا أن المصطلح لا يقتصر على الإنسان فقط، بل يمتد أيضًا إلى النباتات والمحاصيل الزراعية التي تتأثر بصورة مباشرة بارتفاع الحرارة، خاصة عندما تتزامن مع الرطوبة المرتفعة واستمرار موجات الحر لعدة أيام.


ويشير الإجهاد الحراري بصورة عامة إلى الحالة التي يتعرض فيها الجسم أو النبات لضغط نتيجة ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تتجاوز قدرته على التعامل معها بكفاءة، ما يؤدي إلى اضطراب بعض الوظائف الطبيعية. وتختلف مظاهر الإجهاد وشدته بحسب مدة التعرض للحرارة، ودرجات الحرارة المسجلة، ونسبة الرطوبة، وتوافر المياه، وطبيعة الكائن أو النبات ومرحلة نموه.


 


عندما يعجز الجسم عن التخلص من الحرارة


عند الإنسان، يحاول الجسم باستمرار الحفاظ على درجة حرارته الداخلية ضمن نطاق مناسب، ومن أهم وسائل التبريد التعرق، حيث يساعد تبخر العرق من سطح الجلد على التخلص من جزء من الحرارة.


لكن ارتفاع الرطوبة يجعل عملية تبخر العرق أقل كفاءة، فيستمر الجسم في اكتساب الحرارة ويصبح التخلص منها أكثر صعوبة. كما تزداد المشكلة مع التعرض المباشر لأشعة الشمس أو بذل مجهود بدني في الأجواء الحارة.


وقد يبدأ الإجهاد الحراري في صورة أعراض مثل العطش الشديد والتعرق والإرهاق والصداع والدوخة، وهو ما يستدعي الانتقال إلى مكان أكثر برودة، والراحة وتعويض السوائل، وتجنب مواصلة المجهود في الأجواء شديدة الحرارة.


وتزداد أهمية الوقاية بالنسبة للعاملين في الأماكن المكشوفة، ومن بينهم المزارعون والعمال الذين يضطرون إلى العمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، إذ ينبغي تنظيم فترات العمل والراحة وتجنب ساعات الذروة قدر الإمكان.


النباتات تواجه معركة مختلفة

 


ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للنبات من حيث الفكرة الأساسية، فالنبات أيضًا لديه حدود حرارية يستطيع العمل بكفاءة داخلها. وعندما ترتفع درجات الحرارة بصورة تتجاوز قدرة النبات على التحمل، تبدأ سلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تعرف بالإجهاد الحراري.


ويؤثر ارتفاع الحرارة على قدرة النبات على المحافظة على توازنه المائي، كما يمكن أن يؤدي إلى غلق الثغور الموجودة على الأوراق للحد من فقد المياه، إلا أن ذلك قد يقلل في الوقت نفسه من دخول ثاني أكسيد الكربون الضروري لعملية البناء الضوئي.


ومع استمرار الإجهاد، قد يتباطأ النمو وتنخفض كفاءة العمليات الحيوية داخل النبات، كما تتأثر بعض المراحل الحساسة مثل الإزهار والعقد وتكوين الثمار، بحسب نوع المحصول ومرحلة نموه وشدة الحرارة ومدة استمرارها.


المجموع الجذري يتأثر أيضًا

 


ومن أبرز الجوانب التي تتأثر خلال فترات الحرارة الشديدة نشاط المجموع الجذري، إذ يحتاج النبات إلى ظروف مناسبة حتى يتمكن من امتصاص المياه والعناصر الغذائية ونقلها إلى الأجزاء المختلفة.


ومع ارتفاع الحرارة وزيادة معدلات فقد المياه، قد يدخل النبات في حالة من عدم التوازن بين احتياجاته من المياه وبين ما يستطيع الحصول عليه أو الاحتفاظ به، الأمر الذي ينعكس على النمو العام للمحصول.


ولهذا فإن التعامل مع موجات الحرارة لا يقتصر على زيادة كميات الري بصورة عشوائية، وإنما يتطلب ضبط مواعيد وكميات المياه وفقًا لاحتياجات المحصول وطبيعة التربة والظروف الجوية.


الحرارة والرطوبة.. معادلة أكثر صعوبة

 


وتصبح الظروف أكثر تعقيدًا عندما تجتمع درجات الحرارة المرتفعة مع الرطوبة العالية، سواء بالنسبة للإنسان أو النبات.


فبالنسبة للإنسان، تقل قدرة الجسم على التخلص من الحرارة عبر تبخر العرق، بينما قد تؤثر الرطوبة وارتفاع الحرارة معًا في البيئة المحيطة بالنبات وتزيد من الضغوط التي يتعرض لها.


ولهذا قد يشعر المواطن بأن الأجواء أكثر حرارة مما تشير إليه قراءة ميزان الحرارة، وهو ما يفسر استخدام تعبير «الصهد» لوصف فترات الحر القاسية التي تتجاوز مجرد ارتفاع الرقم المسجل لدرجة الحرارة.


ماذا يحدث بعد انكسار الموجة الحارة؟

 


ويمنح انخفاض درجات الحرارة بعد موجة حارة النباتات فرصة لاستعادة جزء من نشاطها، خاصة المجموع الجذري والنموات الحديثة، كما يمكن أن تتحسن نسبيًا كفاءة امتصاص المياه والعناصر الغذائية.


لكن هذه الفترة لا تعني بالضرورة انتهاء الإجهاد بصورة فورية، فالنبات الذي تعرض لحرارة مرتفعة لفترة طويلة يحتاج إلى متابعة وتقييم لحالته، كما أن عودة الحرارة مرة أخرى قد تعيد الضغط عليه قبل استعادة نشاطه بالكامل.


ومن هنا تبرز أهمية استغلال فترات انخفاض الحرارة في فحص المحاصيل، وضبط برامج الري، ومتابعة الأزهار والثمار والنموات الحديثة، إلى جانب تنفيذ المعاملات الزراعية المناسبة في التوقيت الذي تسمح فيه الظروف الجوية بذلك.


لا تعوض الحرارة بمياه زائدة

 


ويعد الإفراط في الري من الأخطاء التي قد يلجأ إليها البعض بعد موجات الحر، اعتقادًا بأن زيادة المياه تساعد النبات على تجاوز آثار الإجهاد. إلا أن احتياجات المحصول يجب أن تحدد وفقًا لحالته الفعلية، وليس لمجرد ارتفاع درجات الحرارة خلال الأيام السابقة.


فزيادة المياه دون حاجة قد تؤدي إلى مشكلات في منطقة الجذور، بينما المطلوب هو تحقيق التوازن بين توفير المياه اللازمة للنبات والحفاظ على تهوية التربة وعدم إغراقها.


الوقاية تبدأ قبل اشتداد الحرارة

 


ويؤكد مفهوم الإجهاد الحراري أن التعامل مع موجات الحر لا ينبغي أن يبدأ بعد ظهور الأضرار، وإنما من خلال الاستعداد المسبق لها، سواء بالنسبة للإنسان أو المحاصيل.


فبالنسبة للمزارعين، تعد متابعة التنبؤات الجوية وضبط مواعيد الري وتجنب تنفيذ بعض المعاملات الحساسة خلال فترات الحرارة المرتفعة من أهم الإجراءات التي تساعد على تقليل التأثيرات السلبية.


أما بالنسبة للمواطنين، فتظل تقليل التعرض المباشر للشمس، وتجنب المجهود الشديد خلال ساعات الذروة، والحفاظ على الترطيب من أهم وسائل التعامل مع الأجواء الحارة.


وفي النهاية، فإن الإجهاد الحراري ليس مجرد ارتفاع في درجة الحرارة، وإنما حالة من الضغط تحدث عندما تتجاوز الظروف الحرارية قدرة الإنسان أو النبات على الحفاظ على وظائفه الطبيعية بكفاءة، وكلما طالت فترة التعرض للحرارة وارتفعت شدتها، زادت الحاجة إلى إدارة أكثر دقة للمياه والعمل والوقاية، خاصة في ظل موجات الحرارة التي أصبحت من أبرز التحديات خلال فصل الصيف.


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *