تضع الحكومة المصرية ملف زيادة الصادرات في مقدمة أولوياتها، وهو ما ينعكس بوضوح في تحركات الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، الذي يركز على فتح أسواق جديدة وتعظيم استفادة المنتج المصري من الاتفاقيات التجارية، وفي مقدمتها منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية .
وسبق أن أكد الوزير، في تصريحات لـ«الخبر الآن»، أن الهدف هو زيادة الصادرات المصرية، وليس بالضرورة أن يكون ذلك من خلال مضاعفتها في كل مرحلة، بما يعكس توجهًا أكثر واقعية يقوم على تحقيق نمو مستدام، وفتح أسواق جديدة، وزيادة قدرة الشركات المصرية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وتأتي أفريقيا في مقدمة هذه الأسواق؛ فبحسب بيانات منشورة خلال 2026، بلغت الصادرات المصرية إلى الدول الأفريقية نحو 7.6 مليار دولار خلال 2025، وهو رقم يعكس وجود قاعدة تجارية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن مساحة كبيرة يمكن لمصر أن تتحرك فيها خلال السنوات المقبلة.
النقل واللوجستيات.. العقبة الأكبر
ربما تمثل تكلفة النقل وطول زمن وصول الشحنات التحدي الأكثر وضوحًا أمام المصدر المصري إلى أفريقيا، خاصة في ظل اتساع المسافات بين الأسواق وغياب خطوط ملاحية مباشرة ومنتظمة مع عدد من الدول.
وأكد شريف الجبلي، رئيس لجنة التعاون الأفريقي باتحاد الصناعات المصرية، أن بعض الشحنات المصرية قد تستغرق نحو 50 إلى 60 يومًا للوصول إلى بعض الأسواق الأفريقية، فضلًا عن ارتفاع تكلفة النقل الداخلي داخل القارة.
وهنا تصبح المنافسة ليست فقط بين منتج مصري وآخر أجنبي من حيث السعر والجودة، وإنما أيضًا في قدرة المصدر على تسليم المنتج في الوقت المناسب وبأقل تكلفة ممكنة.
ومن ثم فإن إنشاء مراكز لوجستية ومخازن ومراكز توزيع داخل الأسواق الأفريقية يمكن أن يمثل تحولًا مهمًا، لأنه يسمح بتوفير «بضائع حاضرة» بدلًا من انتظار الشحن مع كل طلبية، كما يتيح تجميع الشحنات وتقليل التكلفة.
الاتفاقيات التجارية وحدها لا تكفي
تمتلك مصر ميزة مهمة من خلال اتفاقيات التجارة الحرة، لكن الاستفادة من الإعفاءات والتخفيضات الجمركية لا تعني تلقائيًا زيادة الصادرات.
فالمصدر يحتاج إلى معرفة قواعد المنشأ، ومتطلبات التسجيل، والمواصفات الفنية، وشروط دخول كل سوق، إضافة إلى فهم طبيعة المستهلك وقدرته الشرائية.
وتؤكد وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أن مصر تعمل على دفع التنفيذ العملي لاتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية وإزالة العوائق أمام التجارة البينية، بما يفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص المصري للتوسع داخل القارة.
نقص المعلومات عن الأسواق
من التحديات المهمة أيضًا أن بعض الشركات المصرية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، لا تمتلك المعلومات الكافية عن الأسواق الأفريقية.
فالقارة ليست سوقًا واحدة متجانسة؛ فاحتياجات شمال أفريقيا تختلف عن غربها وشرقها ووسطها، كما تختلف القدرة الشرائية وأنماط الاستهلاك والمواصفات المطلوبة من دولة إلى أخرى.
ولهذا فإن زيادة دور المكاتب التجارية والبعثات التجارية والمعارض المتخصصة يجب أن تسير بالتوازي مع توفير قواعد بيانات دقيقة للمصدرين، تتضمن المنتجات الأكثر طلبًا، والأسعار، والمنافسين، وقنوات التوزيع، وشروط الاستيراد.
المنافسة من الصين وتركيا والهند
يواجه المنتج المصري منافسة قوية من دول تمتلك حضورًا راسخًا في الأسواق الأفريقية، وعلى رأسها الصين وتركيا والهند، وهي دول استطاعت خلال سنوات بناء شبكات توزيع وعلاقات تجارية ومراكز لوجستية داخل عدد من الأسواق.
وبالتالي، فإن مجرد وجود منتج مصري جيد لن يكون كافيًا؛ المطلوب هو بناء وجود مستدام للعلامة التجارية المصرية، بحيث يتحول المصدر من مجرد بائع يشحن منتجاته إلى السوق إلى شريك يمتلك شبكة توزيع وخدمة ما بعد البيع وقدرة على الاستجابة السريعة.
التمويل وضمان مخاطر التصدير
يمثل التمويل تحديًا إضافيًا، خصوصًا للشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تجد صعوبة في تحمل فترات التحصيل الطويلة أو مخاطر عدم السداد أو المخاطر السياسية في بعض الأسواق.
ومن هنا تأتي أهمية توسيع أدوات تمويل وضمان الصادرات، والتعاون مع المؤسسات المالية الأفريقية والدولية. وفي هذا السياق بحث وزير الاستثمار والتجارة الخارجية مع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي «أفريكسيم بنك» سبل تعزيز التجارة البينية، كما بحث مع وكالة ائتمان الصادرات البريطانية آليات جديدة لدعم توسع الشركات المصرية في الأسواق الأفريقية.
جودة المنتج والمواصفات
هناك تحدٍ آخر يتعلق باختلاف المواصفات الفنية وشهادات المطابقة بين الدول الأفريقية، وهو ما قد يعرقل دخول بعض المنتجات حتى مع توافر الطلب عليها.
وتشير مناقشات منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية إلى أهمية الاعتراف المتبادل بشهادات المطابقة وتطوير قواعد التجارة، وهي خطوات يمكن أن تقلل من الحواجز غير الجمركية أمام حركة السلع.
أفريقيا ليست سوقًا للتصريف وإنما فرصة للاستثمار
المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير النظرة إلى السوق الأفريقية؛ فالتوسع الحقيقي لا ينبغي أن يقوم فقط على إرسال شحنات من مصر، وإنما على إقامة شراكات واستثمارات ومراكز توزيع وتصنيع مشترك داخل القارة.
وهذا يتوافق مع توجه وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية نحو الربط بين الاستثمار والإنتاج والتصدير، بحيث تصبح الاستثمارات المصرية في أفريقيا أداة لفتح أسواق جديدة أمام الشركات والمنتجات المصرية، وليس مجرد استثمارات منفصلة عن التجارة الخارجية.
الممرات التجارية.. فرصة لتغيير المعادلة
وتملك مصر فرصة مهمة لتطوير الربط البري والبحري مع أفريقيا، خاصة مع المشروعات والممرات اللوجستية الجديدة. ومن بينها الممر الذي يربط مصر بليبيا وتشاد وصولًا إلى وسط أفريقيا، والذي تستهدف الدولة من خلاله تعزيز التجارة البينية وفتح مسارات جديدة للمنتجات المصرية.
لكن نجاح هذه الممرات يتطلب انتظامها، ووجود خدمات نقل وشحن وتأمين وتخزين متكاملة، حتى تتحول من مشروعات بنية أساسية إلى أدوات فعلية لزيادة التجارة.
التحدي الحقيقي.. تحويل الفرصة إلى صادرات
المعادلة الأفريقية أمام مصر تبدو واضحة: السوق موجودة، والاتفاقيات موجودة، والمنتج المصري لديه فرص، لكن المطلوب هو خفض تكلفة الوصول إلى المستهلك.
ومن هنا فإن زيادة الصادرات لا يجب أن تقاس فقط بالوصول إلى رقم مستهدف، وإنما بقدرة مصر على بناء أسواق دائمة، وزيادة عدد الشركات المصدرة، وإدخال شركات صغيرة ومتوسطة جديدة إلى منظومة التصدير، وتنويع المنتجات والدول المستقبلة.
وتشير المؤشرات إلى أن مصر تمتلك قاعدة جيدة يمكن البناء عليها، إلا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال من سياسة «فتح السوق» إلى سياسة «الوجود داخل السوق»، عبر اللوجستيات والتمويل والتسويق والمعلومات والشراكات الاستثمارية.
زيادة الصادرات.. الهدف الأكثر واقعية واستدامة
لذلك، فإن رؤية الدكتور محمد فريد لزيادة الصادرات، دون اشتراط أن تكون الزيادة مضاعفة في كل مرحلة، تبدو أقرب إلى بناء نمو مستدام؛ فالمهم ليس تحقيق قفزة مؤقتة، وإنما استمرار الصعود عامًا بعد عام.
وبالنسبة لأفريقيا تحديدًا، فإن النجاح الحقيقي سيكون في تحويل القارة من سوق تصديرية واعدة إلى امتداد طبيعي للصناعة المصرية، بحيث تنتقل الشركات من تصدير المنتج فقط إلى بناء سلاسل قيمة وشبكات توزيع واستثمارات مشتركة.
وعندها لن تكون زيادة الصادرات المصرية إلى أفريقيا مجرد هدف رقمي، وإنما نتيجة طبيعية لتحسن تنافسية المنتج، وانخفاض تكلفة النقل، وتطور التمويل، وزيادة المعرفة بالأسواق، وتعميق العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول القارة.