تتحرك الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة نحو بناء منظومة متكاملة لدعم الصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لا تقتصر على توفير التمويل فقط، وإنما تمتد إلى إتاحة الأراضي والوحدات الصناعية الجاهزة، وتيسير إجراءات التراخيص، وتقديم الدعم الفني والتسويقي، وربط المشروعات الصغيرة بسلاسل الإمداد، بما يستهدف زيادة الإنتاج المحلي، وتعميق التصنيع، وتقليل الاعتماد على الواردات وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري.
ويأتي هذا التوجه ضمن الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2026-2030، التي تستهدف تعزيز القدرة التنافسية للصناعة وزيادة الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار، مع التركيز على تطوير الموردين وتنمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة ودعم المصانع المتعثرة.
مبادرات تمويل الصناعة
تعد المبادرات التمويلية أحد أبرز أدوات الدولة لتحفيز الاستثمار الصناعي، وفي مقدمتها مبادرة تمويل القطاعات الصناعية ذات الأولوية، التي توفر تسهيلات بقيمة 30 مليار جنيه لشراء الآلات والمعدات وخطوط الإنتاج بعائد مخفض 15% لمدة 5 سنوات.
وشهدت المبادرة في مرحلتها الثانية خلال 2026 توسيع نطاق الاستفادة منها، مع إضافة قطاعات صناعية جديدة ورفع الحد الأقصى لتمويل العميل إلى 100 مليون جنيه، و150 مليون جنيه للأطراف المرتبطة، بما يتيح للمصانع القائمة والمستثمرين الجدد زيادة الطاقة الإنتاجية وتحديث خطوط الإنتاج.
كما تستمر مبادرة مساندة الأنشطة الإنتاجية الصناعية والزراعية والطاقة المتجددة، والتي أتاحت 90 مليار جنيه تسهيلات تمويلية بفائدة لا تتجاوز 15%، منها 80 مليار جنيه لرأس المال العامل و10 مليارات جنيه لشراء الآلات والمعدات، بما يخفف الضغوط التمويلية عن المصانع ويساعدها على الحفاظ على معدلات التشغيل والإنتاج.
ولا يقتصر الدعم على الشركات الكبيرة، إذ يوجه جهاز تنمية المشروعات جانبًا مهمًا من التمويلات إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر. وبلغ إجمالي التمويلات التي ضخها الجهاز منذ إنشائه 79.6 مليار جنيه لأكثر من 4 ملايين مشروع، ساهمت في توفير نحو 6.8 مليون فرصة عمل، بينما وصلت التمويلات المقدمة منذ 2014 وحتى أبريل 2026 إلى نحو 62.4 مليار جنيه.
مصانع جاهزة وأراض صناعية
وبالتوازي مع التمويل، تعمل الدولة على إزالة أحد أبرز عوائق دخول المستثمرين إلى القطاع الصناعي، من خلال طرح وحدات صناعية مجهزة بالمرافق داخل المجمعات الصناعية. ففي أبريل 2026 طرحت هيئة التنمية الصناعية 414 وحدة جاهزة للتسليم الفوري في 12 مجمعًا صناعيًا بـ11 محافظة، بمساحات تبدأ من 48 مترًا وحتى 792 مترًا، لتناسب احتياجات صغار المستثمرين ورواد الأعمال.
وتتضمن منظومة المجمعات تيسيرات في التمليك والإيجار، وإمكانية الحصول على تمويل بنكي، إلى جانب تمويل الآلات والمعدات من خلال جهاز تنمية المشروعات، فضلًا عن تخفيضات في بعض التكاليف وتيسير إجراءات التخصيص.
الأثر على القطاعات الإنتاجية
وتنعكس هذه المبادرات على قطاعات متنوعة تشمل الصناعات الغذائية والهندسية والدوائية والكيماوية والغزل والنسيج والملابس الجاهزة ومواد البناء والتعدين. وتستهدف الحوافز توجيه الاستثمارات نحو الصناعات التي تمتلك فرصًا أكبر لتعميق المكون المحلي وإحلال الواردات وزيادة القيمة المضافة.
كما تمثل مبادرة ابدأ أحد المسارات المهمة لتوطين الصناعة، من خلال جذب استثمارات جديدة، ودعم المصانع القائمة، ونقل التكنولوجيا، وتقديم حوافز تشمل الأراضي بحق الانتفاع والإعفاءات الضريبية والدعم الفني للمشروعات.
وفي المحصلة، تعكس هذه السياسات تحول دعم الدولة للصناعة من مجرد تمويل مباشر إلى منظومة متكاملة تجمع بين التمويل الميسر والبنية التحتية والحوافز والتدريب والدعم الفني والتسويقي، بما يخلق فرصًا أكبر أمام المشروعات الصغيرة للدخول إلى النشاط الصناعي، ويساعد المصانع القائمة على التوسع والتحديث، ويدعم في الوقت نفسه أهداف زيادة الإنتاج والتشغيل والصادرات وتعميق التصنيع المحلي.