أحمد المالكي: الرزق ليس بالذكاء وحده والأخذ بالأسباب واجب


قال الداعية أحمد المالكي، من علماء الأزهر الشريف ، ثمة أشياء كثيرة نظن أننا إذا امتلكناها استرحنا، ثم نكتشف بعد امتلاكها أننا ما زلنا نبحث عن شيء آخر، وكأن السعادة كلما اقتربنا منها ابتعدت خطوة، وكأن القلب الذي علّق راحته بما ينقصه، محكوم عليه أن يظل قلقًا مهما اكتملت بين يديه أسباب الحياة، وربما كان أكثر ما يرهق الإنسان ليس ما فقده، وإنما اعتقاده أن ما فقده هو الذي كان سيمنحه الطمأنينة، ومن هنا تبدو القناعة واحدة من أعظم النعم التي يمكن أن يسكن إليها القلب، فهي ليست قلة في الطموح، ولا استسلامًا للعجز، ولا دعوة إلى ترك السعي، وإنما هي أن يعمل الإنسان ويجتهد ويطلب الأفضل، ثم لا يجعل قلبه أسيرًا لما لم ينله، وأن يعرف قيمة ما بين يديه قبل أن يظل مشغولًا بما في أيدي الآخرين، فالقناعة أن تمتلك الأشياء دون أن تمتلكك، وأن تنتفع بالدنيا دون أن تتحول الدنيا إلى معيار تقيس به نفسك وسعادتك.


وقد عرّف الراغب الأصفهاني رحمه الله القناعة بأنها «الاقتصار على ما دون الحاجة»، وعرّفها المناوي رحمه الله بأنها «السكون عند عدم المألوفات»، وقيل: «الرضا بما قسم الله»، وعلى اختلاف هذه العبارات يجتمع المعنى في استغناء النفس بالموجود، وعدم التطلع المذموم إلى ما عند الآخرين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وارض بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس»، رواه الترمذي، وهنا يتضح الفرق بين غنى المال وغنى النفس، فقد يكون الإنسان قليل المال، لكنه عزيز النفس، لا يسأل الناس، ولا يحسدهم، ولا ينظر إلى ما في أيديهم بعين الحسرة، وقد يكون آخر قد جمع من المال والمتاع ما جمع، لكنه لا يزال يشعر بالفقر؛ لأن حاجته لم تعد إلى ما ينقصه من الأشياء، وإنما إلى شعور داخلي لا تصنعه الأشياء مهما كثرت، فالغنى الحقيقي ليس في كثرة ما نملك، وإنما في قلة ما يستعبد قلوبنا.


ولأن الإنسان بطبيعته يميل إلى مقارنة نفسه بغيره، جاء التوجيه النبوي ليعيد إليه ميزان النظر، فقال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»، رواه البخاري ومسلم، فالعين التي لا ترى إلا من فوقها ستظل تبحث عن المزيد، والقلب الذي لا يتذكر إلا ما ينقصه لن يرى ما امتلأت به حياته من نعم، بينما يستطيع الإنسان أن يغيّر كثيرًا من شعوره بالحياة بمجرد أن يتعلم فن الالتفات إلى ما لديه.


وليس المقصود من ذلك أن يتخلى الإنسان عن طموحه، أو أن يرضى بحال يستطيع إصلاحه، فالإسلام لا يدعو إلى السكون عن العمل، وإنما يدعو إلى أن يكون السعي في اليد، لا في القلب، وأن يطلب الإنسان الزيادة دون أن يجعل حياته متوقفة عليها، فيعمل لما يريد، فإذا أدرك ما يريد حمد الله، وإذا تأخر عنه صبر، وإذا جاءه على غير الصورة التي توقعها أحسن الظن بربه، لأنه يعلم أن الإنسان لا يرى من الصورة إلا جانبًا واحدًا، وهنا يظهر المعنى الأعمق للرضا، فالرضا لا يعني ألا نحزن، ولا يعني أن الإنسان لا يتألم حين يفقد من يحب أو يفوته ما يرجو، وإنما يعني ألا يتحول الحزن إلى اعتراض، وألا يقود الألم إلى سوء الظن بالله، فكم من أمر تمنيناه ثم اكتشفنا بعد زمن أن الخير كان في عدم وقوعه، وكم من باب أُغلق في وجوهنا فكان إغلاقه حماية لنا من طريق لم نكن نعرف عاقبته، قال تعالى: (وعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216]


وكلما ازداد يقين الإنسان بالله، خف قلقه على الغد، لأنه يدرك أن الرزق ليس معلقًا بذكائه وحده، ولا بقوته وحدها، وأن الأخذ بالأسباب واجب، لكن النتائج ليست كلها في يده، وقد نُقل عن الحسن البصري رحمه الله قوله: «إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل»، وهي عبارة تختصر جانبًا كبيرًا من معاناة الإنسان حين يجعل أمانه متعلقًا بما يملك، بدل أن يكون متعلقًا بمن يملك كل شيء.


والدنيا في ذاتها ليست المشكلة، فالمال نعمة، والنجاح نعمة، وتحسن الأحوال نعمة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول النعمة إلى مقياس للقيمة، وحين يصبح الإنسان لا يرى نفسه إلا من خلال ما يملك، ولا يشعر بالنجاح إلا إذا تفوق على غيره، ولا يفرح بما عنده إلا إذا كان أكثر مما عند الآخرين، وعندها تتحول الحياة إلى سباق لا خط نهاية له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم»، رواه البخاري ومسلم، ولعل أجمل ما في القناعة أنها تعيد للإنسان علاقته الطبيعية بالحياة، فيعمل دون لهاث، ويطمح دون جشع، ويفرح دون أن يخاف من زوال فرحه، ويملك دون أن يخشى دائمًا أن يفقد، فإذا جاءه الخير شكر، وإذا تأخر صبر، وإذا تبدلت الأحوال لم تتبدل ثقته بالله، لأنه أدرك أن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما نريد، وأن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من ضمان المستقبل، وإنما من الثقة بمن بيده المستقبل، وما أجمل أن يصل الإنسان إلى تلك المنزلة التي لا يحتاج فيها إلى امتلاك الدنيا كلها كي يطمئن، ولا إلى تحقيق جميع أمنياته كي يشعر بالسعادة، وإنما يكفيه أن يعلم أن الله يدبر أمره، وأن ما قسمه له لن يفوته، وأن ما لم يكن له لن يكون له، وأن وراء كثير من الأقدار حكمة قد تظهر اليوم أو غدًا أو لا تظهر لنا أبدًا، لكن يكفي القلب المؤمن أنه يعرف صاحب الحكمة ويثق به؛ فحين يطمئن القلب بالله، يتغير معنى الأشياء؛ فيصبح القليل كثيرًا، والعادي نعمة، والتأخير تدبيرًا، والمنع رحمة، وما في اليد يكون فضلًا، وما فات فقد مضى، وعندها لا تعود السعادة شيئًا نطارده بعيدًا، بل سكينة تسكن فينا، وتبدأ من القلب قبل أن تأتي من الحياة.

تم النشر في

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *