ما الذي يمكن أن يفعله البحث العلمي؟.. ملايين فقدوا أرواحهم بسبب تجاهل العلم

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

في العام 1740 أبحر العميد البحري البريطاني "جورج أنسون" بسفنه الحربية الست من السواحل الإنجليزية متوجهاً نحو أطراف أمريكا الجنوبية، وذلك بعد أن تم تكليفه من قبل الحكومة البريطانية بالاستيلاء على المستعمرات الإسبانية في بنما وبيرو.

 

 

لم تمض الأمور كما هو متوقع، وتفككت خطط "أنسون" الذي ظل أكثر من عام ونصف يدور في البحار بأسطوله يحاول النجاة من غدر الأمواج والفكاك من السفن الإسبانية التي كانت تطارده. ولكن الخطر الأكبر الذي واجه "أنسون" ورجاله كان مرض "الإسقربوط".

 

خرج ولم يعد

 

حين غادرت بعثة "أنسون" إنجلترا في عام 1740 كان قوامها 1854 رجلاً، ولكن بعد أربع سنوات لم يعد منهم سوى 188 رجلاً فقط على متن سفينة واحدة. لم يفقد البريطانيون باقي الرجال وباقي السفن في أي اشتباك عسكري، بل راحوا جميعاً ضحية ذلك المرض اللعين.

 

يصف المؤرخ الكندي "ستيفين آر بون" هذه الرحلة بأنها أسوأ كارثة طبية حدثت على الإطلاق في البحر. فبعد مرور 6 أشهر فقط من انطلاق تلك الرحلة كان الرجال يموتون يومياً. وفي البداية كان يتم تكفين الجثث وإلقاؤها في البحر، ولكن بعد فترة أصبح البحارة الأحياء أضعف من أن يعتنوا بجثث الموتى، وتركوها على سطح السفن بينما يلفظون هم أنفاسهم الأخيرة.

 

خسر "أنسون" في فترة قصيرة الجزء الأكبر من طاقمه، وفي ظل انخفاض عدد الرجال الذين لديهم القدرة على العمل تحطمت أغلب سفن الأسطول بعد أن اصطدمت بالصخور على سواحل أمريكا الجنوبية.

 

 

إحدى السفن حطمتها الصخور حادة الأطراف الموجودة على سواحل تشيلي، ورغم أنها تحطمت بالقرب من الشاطئ إلا أن البحارة الذين كانوا على متنها ماتوا غرقاً لأن أجسادهم التي أنهكها المرض لم تساعدهم على السباحة نحو الشاطئ.

 

مرض الإسقربوط -الناتج عن نقص فيتامين سي في الجسم- كان يؤثر على أنسجة الجسم الضامة. ففي البداية يشعر الضحايا بالتعب والإرهاق والوهن والتورم ثم يعانون فقدان الشهية وسقوط الأسنان ونزيف اللثة وآلام العظام و المفاصل والحمى.

 

خلال الفترة التي كانت تبحر فيها السفن باستخدام الأشرعة مات أكثر من مليوني بحار بسبب الإسقربوط، وهو ما يتجاوز مجموع المعارك البحرية والعواصف والسفن الغارقة.

 

في عام 1499 فقد المستكشف البرتغالي "فاسكو دا جاما" أكثر من نصف طاقمه بسبب الإسقربوط. وفي عام 1520 فقد مواطنه "فريناند ماجلان" ثلثي طاقمه بسبب نفس المرض. وفي حرب السنوات السبع، حشدت بريطانيا أسطولاً مكوناً مما يزيد على 185 ألف بحار، مات منهم 1512 أثناء تأدية واجبهم، في حين خسر نحو 133 ألفاً منهم حياتهم بسبب الإسقربوط.

 

الطبيب الشاب وتجربته الفريدة

 

في عز انتشار المرض كان لدى الجميع نظريته الخاصة حول كيفية مكافحته، وشملت العلاجات التي اقترحها الأطباء النبيذ والزنجبيل والأملاح. ولكن نظراً لأنه لم يتم اختبار أي من تلك العلاجات بشكل جاد، استمر المرض في التفشي واستمر البحارة في الموت بالآلاف.

 

لكن كل شيء تغير حين جاء جراح شاب يبلغ من العمر 31 عاماً يسمى "جيمس ليند" وقام في عام 1747 بإجراء تجربة رائعة. في ذلك العام أبحر "ليند" على متن السفينة البحرية الشهيرة "إتش إم إس سالزبوري"، وبعد عدة أشهر تأثر معظم أفراد الطاقم بداء الإسقربوط.

 

قرر "ليند" تجربة 6 علاجات مختلفة على 12 من البحارة المصابين من خلال إعطاء كل اثنين من البحارة علاجا معينا من الستة. أعطى "ليند" المجموعة الأولى لترا من عصير التفاح، في حين حصلت الثانية على 4 ميليمتر من حمض الكبريتيك، والثالثة على 80 ميلمتر من الخل.

 

 

أما المجموعة الرابعة فتم منح فرديها 250 مل من مياه البحر، بينما حصلت المجموعة الخامسة على مزيج مكون من جوزة الطيب والثوم وبذور الخردل والفجل وبلسم البيرو واللبان المر. وأخيراً منح "ليند" المجموعة السادسة حبتي برتقال وحبة ليمون.

 

لم يمر الكثير من الوقت، قبل أن تظهر نتائج التجربة. اكتشف "ليند" أن البرتقال والليمون كان لهما أثار إيجابية ومفاجئة على المجموعة السادسة، لدرجة أن أحد المرضى الذين أعطوا هذه الثمار كان على استعداد للعودة إلى الخدمة في أقل من أسبوع.

 

على النقيض من ذلك، لم يتحسن المرضى الذين تناولوا العلاجات الأخرى. وبالنظر إلى أن حمض الكبريتيك كان هو العلاج الرئيسي لدى البحرية البريطانية لعلاج الإسقربوط فقد كان اكتشاف "ليند" مهماً.

 

50 عاماً .. تجاهل يكلف الآلاف أرواحهم

 

كانت النتائج واضحة، ولكن كما يعلم أي باحث فإن النتائج مهما كانت مقنعة فإنها في أغلب الأحيان لا تقود صناع القرار إلى تغيير رأيهم فوراً. احتاج "ليند" إلى 6 سنوات لكتابة نتائج تجربته بشكل أكثر تفصيلاً في كتاب مكون من 465 صفحة سماه "أطروحة الإسقربوط" وأهداه للعميد "جورج أنسون" الذي فقد 9 أعشار رجاله بسبب ذلك المرض.

 

للأسف تم تجاهل أطروحة "ليند" إلى حد كبير في السنوات التي تلت نشرها. وخلال العقود القليلة التالية ظل الإسقربوط هو أكبر خطر يهدد الرحلات البحرية.

 

استمر الوضع على تلك الحال إلى أن جاء تلميذ "ليند" الجراح "جيلبرت بلان" ونجح في تسعينيات القرن الثامن عشر في إقناع كبار القادة بالبحرية البريطانية أخيراً بأن البرتقال والليمون يمكنهما منع داء الإسقربوط. وفي عام 1799 أي بعد نحو 50 عاماً من اكتشافات "ليند" أصبح عصير الليمون مشروباً أساسياً على متن السفن البريطانية.

 

 

في أوائل القرن التاسع عشر كان البحارة البريطانيون يستهلكون أكثر من 200 ألف لتر من عصير الليمون سنوياً. وبينما كان البريطانيون بطيئين في تبني نتائج "ليند" إلا أنهم رغم ذلك كانوا أسرع في علاج الإسقربوط من خصومهم البحريين الرئيسيين.

 

فقد كان القضاء على الإسقربوط هو أحد الأسباب الرئيسية وراء تمكن البريطانيين تحت قيادة الأدميرال "هوراشيو نيلسون" من هزيمة الأسطول الفرنسي الإسباني المشترك الذي كان يفوقهم عدداً وعتاداً في معركة طرف الغار بسبب تدمير الإسقربوط لقدرة البحارة الفرنسيين والإسبان على القتال بعد أن أنهك أجسادهم.

هذا المقال "ما الذي يمكن أن يفعله البحث العلمي؟.. ملايين فقدوا أرواحهم بسبب تجاهل العلم" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (ارقام) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو ارقام.

أخبار ذات صلة

0 تعليق