بيدي لا بيد عمرو .. حين ترك الأمريكيون سوقهم طواعية لليابانيين

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

في أوائل الثمانينيات ظهر منتجو رقائق الذاكرة الإلكترونية اليابانيون بقوة على الساحة العالمية. وفي الواقع كانت بداية ظهورهم قبل ذلك بعدة سنوات وتحديداً في أواخر السبعينيات حين استغلوا تراجع استثمارات عملاق البرمجيات الأمريكي "إنتل" في طاقته الإنتاجية على خلفية حالة الركود التي كان يعاني منها اقتصاد الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
 

وكان صعود اليابانيين في مجال الرقائق الإلكترونية قوياً جداً لدرجة أن مهندسي شركة "إنتل" العائدين من زيارة اليابان كانوا يروون لمديري شركتهم قصصاً مُخيفة عما يحدث هناك.
 

 

على سبيل المثال، يقول الرئيس السابق لمجلس إدارة شركة "إنتل" أندرو جروف في كتابه "لا ينجو سوى المذعور" الصادر في عام 1999 إن بعضاً ممن عادوا من زيارة اليابان يحكون أن إحدى الشركات اليابانية الكبيرة كانت تخصص مبنى ضخماً كبيراً بالكامل لأنشطة البحث والتطوير الخاصة برقائق الذاكرة.
 

في الطابق الأول من هذا المبنى يوجد جيش من المهندسين الذين يعملون على رقائق الذاكرة ذات السعة البالغة 16 كيلوبايت، بينما يعمل زملاؤهم في الطابق الثاني على الرقائق من فئة الـ64 كيلوبايت، في حين تم تخصيص الطابق الثالث للمهندسين الذين يعملون على تطوير رقائق سعتها 256 كيلوبايت.
 

وفي نفس الوقت كانت تنتشر في السوق إشاعات مفادها أن اليابانيين يعملون في مختبرات سرية على تطوير رقائق ذاكرة بسعة تبلغ مليون كيلوبايت. كل هذه الإشارات جعلت الأرض تهتز من تحت أقدام شركة "إنتل" التي كانت تسيطر حتى وقت قريب على 100% من سوق رقائق الذاكرة.
 

من أي ثغرة دخل اليابانيون؟
 

بعد فترة قصيرة من تأسيسها في عام 1968 وتزامناً مع ظهور صناعة الكمبيوتر دخلت شركة "إنتل" إلى سوق رقائق الذاكرة الإلكترونية لتصبح أول وأهم لاعب في تلك الصناعة. وفي أوائل السبعينيات بدأ يلحق بها المنافسون الذين كان معظمهم أمريكيين وصغيري الحجم.
 

طوال السبعينيات كانت المنافسة على الجيل التالي من رقائق الذاكرة محصورة بين الشركات الأمريكية، وخلال تلك الفترة تمكنت "إنتل" من الحفاظ على موقعها الريادي في السوق.
 

ثم جاءت الثمانينيات حاملة معها مفاجأة غير سارة للأمريكيين وهي دخول اليابانيين بقوة في صناعة رقائق الذاكرة. فلم يكتفوا ا ببناء قاعدة صناعية هائلة فقط بل قدموا منتجاً جودته أفضل بكثير مما تنتجه الشركات الأمريكية.
 

 

أشار مدراء بشركة "إتش بي" الأمريكية إلى أن مستوى جودة رقائق الذاكرة اليابانية كان أعلى بكثير من مستوى جودة الرقائق الأمريكية. كان التفوق الياباني واضحاً جداً لدرجة أن رئيس مجلس إدارة إنتل "أندرو جروف" نفسه قال إن جودة الرقائق اليابانية تجاوزت قدرة إنتل على التخيل.
 

على إثر هذه الأخبار المشؤومة وبعد فترة من الإنكار هرع مسؤولو شركة "إنتل" للعمل على محاولة مجاراة مستوى الجودة اليابانية، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن تلك الخطوة غير كافية وصدموا بحقيقة أخرى لا تقل قسوة عن الأولى وهي أنه ليس بوسعهم منافسة اليابانيين سعرياً.
 

عقد من التخطيط
 

كان اليابانيون لا ينتجون رقائق أعلى جودة من نظيرتها الأمريكية فقط بل كانوا ينتجونها بأسعار أرخص؛ وذلك لأسباب كثيرة أهمها الدعم الحكومي غير المحدود للشركات اليابانية التي تستهدف بمنتجاتها الأسواق الخارجية من خلال توفير رأس المال اللازم لتوسعها مقابل أسعار فائدة زهيدة.
 

طوال الثمانينيات ظل المنتجون اليابانيون يبنون مصانع كبيرة وحديثة ويوسعون طاقتهم الإنتاجية. وبينما يسيطرون على سوق رقائق الذاكرة فرض اليابانيون سيطرتهم أيضاً على سوق أشباه الموصلات العالمي أمام أعين الأمريكيين الذين شعروا بالعجز تجاه ما يحدث.
 

 

المثير للاهتمام هو أن اختراق اليابانيين لسوق رقائق الذاكرة لم يحدث بين عشية وضحاها، بل جرى التخطيط والإعداد له على مدار عقد من الزمان. وفي البداية قاتل الأمريكيون بقوة من أجل حماية حصصهم السوقية وقاموا بتحسين الجودة وخفض التكاليف ولكن اليابانيين في المقابل قاوموا وكان سلاحهم الرئيسي تقديم منتجات عالية الجودة بأسعار رخيصة بشكل مذهل.
 

أثناء معافرة "إنتل" مع اليابانيين في أوائل الثمانينيات، كان الجزء الأكبر من فرق البحث والتطوير الخاصة بها يعمل على تطوير جودة رقائق الذاكرة لجعل الشركة في موقع تنافسي أفضل أمام اليابانيين. ولكن في نفس الوقت كان هناك فريق صغير يعمل على تطوير تكنولوجيا جديدة لمنتج كانت "إنتل" قد اخترعته في أوائل السبعينيات وهو: المعالجات الدقيقة.
 

توهان الأمريكيين
 

المعالجات الدقيقة هي الشرائح الإلكترونية المسئولة عن القيام بالعمليات الحسابية والمنطقية إلى جانب التحكم في جميع أجزاء الكمبيوتر الأخرى، وهي بمثابة "أدمغة أجهزة الكمبيوتر".
 

بسبب أن سوق هذه المعالجات كان ينمو ببطء لم يكن تطويرها ذا أولوية بالنسبة لـ"إنتل" التي كانت غارقة في محاولة استعادة حصتها في سوق الرقائق الإلكترونية. لكن كل شيء تغير بعد عام 1984 عندما انهارت مبيعات "إنتل" من رقائق الذاكرة وأصبح السوق بالكامل تقريباً في حضن اليابانيين.
 

 

دخلت "إنتل" في حالة من التنافر الاستراتيجي، حيث إن تصرفات الشركة كانت في وادٍ بينما كانت بياناتها في وادٍ آخر. واستمرت هذه الفترة الحرجة لثلاث سنوات كان صغار المديرين ينصحون فيها الشركة بالخروج من سوق رقائق الذاكرة والتركيز أكثر على سوق المعالجات الدقيقة، في حين أن الإدارة العليا للشركة كانت لا تزال عالقة في النقاشات الهادفة لاسترداد مكانة الشركة في سوق الرقائق الإلكترونية.
 

استمر الوضع على هذه الحال إلى أن عقد اجتماع بين رئيس مجلس إدارة إنتل "أندرو جروف" ومدير الشركة التنفيذي وقتها "جدوردون مور" في منتصف عام 1985. في ذلك الاجتماع سأل "جروف" "مور": "لو تمت إقالتنا وجاء مجلس إدارة ورئيس تنفيذي جديد برأيك ما هو أول قرار سيتخذونه؟" وهو السؤال الذي أجاب عليه "مور" دون تردد قائلاً: "سيخرجون الشركة من سوق رقائق الذاكرة."
 

حدّق "جروف" في "مور" وقال له: "لماذا لا نمشي أنا وأنت إلى خارج ذلك المكتب ثم نعود ونفعل ذلك بأنفسنا."
 

الاستسلام لليابانيين .. القرار الأهم
 

لحسن حظ "إنتل" عملية تعديل الاتجاه الاستراتيجي للشركة من سوق الرقائق الإلكترونية إلى سوق المعالجات الدقيقة كانت قد بدأت بالفعل وإن كانت ببطء قبل ذلك القرار بفترة. فبينما كانت الإدارة العليا لـ"إنتل" لم تحسم قرارها بعد كانت القيادة الوسطى بالشركة بدأت بالفعل في التركيز على المعالجات الدقيقة.
 

كانت الشركة توجه مواردها بشكل متزايد وبخطوات ثابتة نحو سوق المعالجات الدقيقة الناشئ ليس بناءً على توجيهات الإدارة العليا للشركة بل نتيجة للقرارات اليومية التي يتخذها صغار المديرين القريبين من عملية الإنتاج والذين لاحظوا انخفاض الطلب على رقائق الذاكرة وارتفاع فرص الربحية من المعالجات الدقيقة.
 

 

بحلول الوقت الذي حسمت فيه الإدارة قرار خروجها من سوق الرقائق الإلكترونية وتركه لليابانيين الذين لم تعد منافستهم ممكنة كان واحد فقط من أصل 8 مصانع تابعة للشركة يعمل على إنتاج رقائق الذاكرة بينما كان للمعالجات الدقيقة الحصة الأكبر.
 

خرجت "إنتل" من سوق الرقائق الإلكترونية واتضح لها أن تأثير ذلك القرار أقل حدة مما كانت تتوقعه وتخشاه إدارة الشركة. وكان هذا هو أهم وأصعب قرار في تاريخ "إنتل"، وهو القرار الذي تقف بفضله الشركة الأمريكية اليوم باعتبارها اللاعب رقم واحد في سوق المعالجات الدقيقة على مستوى العالم.

هذا المقال "بيدي لا بيد عمرو .. حين ترك الأمريكيون سوقهم طواعية لليابانيين" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (ارقام) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو ارقام.

أخبار ذات صلة

0 تعليق