أسطوات «الأخشاب» في «الدرب الأحمر» بين «الصبر» و «انقراض المهنة»

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«الأسطى» لقب لم يكتسبه الكثيرون إلا المميزين فى المهن اليدوية، فقد أطلق هذا اللقب على من عشق حرفته وأبدع فيها وتمسك بها طوال سنوات طويلة، رغم ما مر عليها من صعوبات تسببت فى خسارة صاحبها، واهتمت السينما المصرية بتقديم عدة نماذج لـ«الأسطوات» كان على رأسها نموذج الفنان الراحل فريد شوقى بمشاركة هدى سلطان، وكان يدور حول حياة عامل داخل ورشة خراطة وحدايد.

اليوم اختفى «الأسطى» مع اندثار عدد كبير من الحرف اليدوية. «المصرى اليوم» تجولت فى عدد من ورش الأخشاب بمنطقة «الربع» بحى الغورية، وكشفت عن أسباب اختفاء الكثير من الحرف اليدوية وأهمها صناعة «القباقيب» وطواجن «الفخار» والبراميل الخشبية التى كانت تعكس ثقافة وتاريخ الشعب المصرى.

«القباقيب»

داخل ورشته الصغيرة فى منطقة «تحت الربع» بحى الغورية بالأزهر، وخلف مكتب خشبى تتناثر عليه نشارة الخشب من جميع جوانبه، يتوسطه ماكينة بدائية لتقطيع الخشب إلى أحجام مختلفة، وقف محمود، الشاب الأربعينى، والذى تختفى ملامحه خلف النشارة المتناثرة بشكل عشوائى والتى كست ملابسه البسيطة، منهمكًا فى تشكيل لوح الخشب إلى قطعة مستديرة، لا يعبأ بأصوات المشاجرة التى تدور على بعد عدة أمتار منه، وإنما يشغله سن المنشار الصلب الذى يستخدمه فى التقطيع، فخطأ بسيط فى عمله قد يكلفه قطع كفه أو إحدى أصابعه خلال ثوان معدودة.

فى منطقة «تحت الربع» تتجاور عدد من الورش البدائية، بجدرانها المتصدعة والتى تحكى عن عراقة المكان، وأمام مساحاتها الضيقة تتراص أكوام من أغصان الأشجار الغليظة على جانبى الطريق، وحرص أصحاب الورش على عرض منتجاتهم النهائية ما بين أورم تقطيع اللحم والكنب والترابيزات اليدوية، فى محاولة منهم لجذب زوار المكان الذين حرصوا على القدوم لقضاء احتياجاتهم بما يتناسب مع أسعارها الزهيدة.

لم يمنع تجاوز عمره الستين عاما، من تحويل قطعة خشبية خشنة إلى قبقاب ناعم يرتديه الرجال والنساء، أعلى كرسى متهالك جلس الحاج أحمد عبدالقادر يدندن بصوته أغنية للمطرب الراحل محمد عبدالوهاب، الصادرة عبر جهاز راديو صغير يضعه أمامه، يحتسى قليلا من كوب الشاى ويمسك بأنامله لوحًا من الخشب ويقطعه إلى قطعتين متساويتين، تحدث عن حرفته التى اشتغلها منذ أربعين عاما وقال: «فى الماضى كان الحرفيون ينحتون النعال بأيديهم إلى أن ظهرت آلات تؤدى هذه المهمة، وبداية تصنيع القبقاب تبدأ بتجهيز الخشب حيث يقطع شرائح على أشكال أسافين، ويرسم على قدر قدم الإنسان حسب المقاس، ثم تأتى عملية التفكيك، وفيها تتم إزالة الزوائد الخارجية من الجانبين، ثم النشر بعملية اللف وهى إزالة الزوائد الأمامية والخلفية، وبعدها تأتى عملية التقدير وهى تشكيل كعب القبقاب، ثمَّ يأتى دور التنعيم أى حفُّ القبقاب، وأخيرًا تركب قطعة من الجلد من كاوتش السيارات، وفوقها قطعة صفيح تثبت على مقدمة القبقاب بمسامير خاصة تسمى مسامير قُبقابى».

متاعب المهنة الكثيرة وقلة العائد المادى الذى تدره على أصحابها، وتطور العصر الذى وقف حائلًا أمامها- كانت دافعا أمام عدد كبير من الورش لإغلاق أبوابها، والبعض غير مهنته إلى مهنة أخرى من أجل البقاء فقط.

يدافع عبدالقادر عن مهنته التى يعشقها، ويرفض تغييرها حتى وإن لم توفر له أجرة عامل يساعده، وتحدث عن فائدة القبقاب الصحية والتاريخية، «فى دمشق كانت هناك سوق مخصصة وراء الجدار القبلى من الجامع الأموى يعرف باسم (سوق القباقبية)، واكتسب القبقاب شهرة تاريخية من أيام الفاطميين والمماليك ومقتل شجرة الدر تأثرا بضرباته».

وأوضح عبدالقادر فوائد «القبقاب» الصحية، فهو مفيد لمرضى حساسية القدمين، ولمرضى السكرى الذين يتوقون لوضع أقدامهم على أرض باردة، فالقبقاب بارد صيفا ودافئ شتاء، ولا يسبب التشققات الجلدية، ومريح فى الحركة والعمل فى شؤون البيت، وفى الأسواق والأزقة، وكان الرجال يلبسونه أيضًا اتقاء للوحل أيام الشتاء، ولكن يعيبه ثقل وزنه والإزعاج الذى يصدر عنه عند المشى.

ينشط العمل داخل الورش التى تشتغل فى تصنيع «القبقاب» خلال ثلاثة أشهر فقط فى العام، تبدأ مع رجب وتنتهى مع أواخر شهر رمضان الكريم، فهناك من يحرص على شرائها من أهل الخير بغرض الصدقة والتبرع بها للمساجد والزوايا لأنها معمرة عن الشباشب المصنوعة من الجلد أو البلاستيك، بجانب أنها أرخص ثمنًا ولا تنقل العدوى من شخص لآخر.

كذلك يحرص بعض السائحين من العرب والأجانب على شراء «القبقاب»، كنوع من «الأنتيكات» الأثرية مما شجع عددا من أصحاب الورش المعدودة على تطوير شكلها، فهناك أنواع من القباقيب يتم تصنيعها لتعلق على الجدران، وهذه تكون منقوشة ويتم حفر خشبها، ووضع رسوم عليها، وأحيانا صبغها بألوان معينة.

«البراميل الخشبية»

قد تتنافس المنتجات البلاستيكية والمعدنية أمام المنتجات الخشبية، التى باتت مهددة بالاندثار، رغم ذلك تصادفك ورشة نبيل فى منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، والتى لم تتوقف عن تصنيع البراميل الخشبية التى احترفت صناعتها منذ أعوام طويلة ماضية، مرت عليها وتغيرت وظيفتها من حفظ جميع المنتجات إلى انحسار استخدامها فى حفظ العطارة والأعلاف والأسماك المملحة.

تعود نشأة البراميل الخشبية إلى القرن 19، وتصنف واحدة من الحرف اليدوية التى انتشرت فى عدد كبير من العالم، ومع التطور السريع تبدلت وظيفتها من أداة لحفظ الأشياء إلى عالم الديكور فتجدها داخل المقاهى والمحال التجارية، إلا أن اعتماد دول حتى الآن على البراميل الخشبية فى تخمير النبيذ والتصنيع لكونها صحية أكثر من البراميل البلاستيكية، والتى تتفاعل مع المواد والطعام وتسبب الكثير من المشاكل الصحية- ساعد على عدم انهيار الصناعة.

أشار تقرير صادر عن غرفة صناعة الأخشاب أن مصر تستورد بأكثر من مليار ونصف المليار دولار أخشاباً سنوياً، حيث بلغت قيمة الواردات المصرية مما يعرف بالأخشاب اللينة 1.4 مليار دولار، وتستورد مصر سنوياً منها ما يقرب من 5 ملايين متر مكعب، أما بالنسبة للأخشاب الصلبة فتستورد مصر خشب «زان» بقرابة 155 مليون دولار، كما تبلغ قيمة وارداتنا من خشب «الأرو» قرابة 10 ملايين دولار، وطبقاً لتقرير غرفة صناعة وإنتاج الأخشاب والأثاث، تستورد مصر ما يوازى 121% من حجم استيراد دول الخليج مجتمعة من الأخشاب و65% من حجم دول شمال إفريقيا مجتمعة.

وحول أصناف الخشب التى تستخدم فى صناعة المنتجات الخشبية، يقول نبيل: «هناك العديد منها مثل الكافور والجوز والمشمش والصفصاف والزان والمانجو والسيبانس والفيكس واللبخ والسرسوع، ونأتى بها من محافظات الوجهين القبلى والبحرى».

صناعة المنتجات الخشبية ليست بالحرفة البسيطة، وإنما تحتاج إلى جهد وطول بال على حد وصف نبيل، بمثل بساطة شكل الخشب، وما يجدر ذكره أن جذور هذه المهنة تعود إلى دمشق، العاصمة السورية، التى تعد طليعة المدن العربية التى أتقنت هذه الصناعة واشتهرت بها.

وأكد محمد فتحى، أحد أصحاب الورش، أن ارتفاع أسعار الخشب سبب رئيسى فى اختفاء الصناعة، الأمر الذى اضطر بعض أصحاب الورش إلى استبدال أنواع من الشجر الغالية الثمن بأخرى أقل فى التكلفة، فى الماضى كنا نستعمل الصفصاف والجوز فى صناعة القباقيب، ولكن ارتفاع أسعارها جعل الحصول عليها صعباً، وأغلب القباقيب حاليا تصنع من الكافور والتوت والفيكس لأنها أرخص.

وحول مراحل تصنيع البراميل الخشبية، أشار فتحى إلى أنها تتم على ثلاث مراحل: الأولى هى تقطيع الألواح الخشبية، بواسطة الماكينة المخصصة لتقطيع الأخشاب، ثم تركيبها بشكل متساو ثم مرحلة التلوين وهى بواسطة النيران وهى أسهل مرحلة تأخذ أقل من 15 دقيقة فقط، بينما سعر البرميل يتراوح من 250 إلى 300 جنيه، حسب تكلفته والأخشاب المستخدمة.

«الأورمة»

لم يمنع محمد يونس، حصوله على مؤهل عال من العمل مع والده، ليرث عنه تصنيع منتجات الأخشاب من «الأورمة» وأطقم الشماسى وكراسى الحدائق، خلال 40 عاما ماضية قضاها فى مهنته حاول تطوير حرفته حتى يجارى العصر، فانتقل من صناعة «القباقيب» و«الهون» إلى تصنيع الفازات الخشبية والديكورات فى محاولة منه لترويج منتجاته.

وقال يونس: «لم تعد المهنة مجدية، زمان كانت الورشة فيها 6 عمال لكن دلوقتى احنا بنشتغل بثلاثة عمال فقط فيومية العامل الواحد 100 جنيه، وهو ما يمثل عبئا على صاحب الورشة، خاصة أن شغلنا موسمى فالأورمة مرتبطة بعيد الأضحى أما الشماسى فمرتبطة بموسم المصايف، وكل منتج له الخشب الخاص به فأنا لا أستخدم جميع أنواع الأخشاب وأكتفى بشجر اللبخ والسرسوع والصنط، لأن كل خشب له طبيعته فخشب اللبخ والسرسوع يصلحان لشغل الديكورات، أما الفيكس لتصنيع الشماسى بسبب ما يتميز به من متانة ولكن غير صالح لصناعة الأطباق».

الخطأ مرفوض فى تصنيع المنتجات الخشبية، وقد يدفع ثمنها العامل ببتر فى كفه أو أصابعه خلال لحظة واحدة، لذلك لا بد أن تتوافر الخبرة فى «صنايعى» الأورمة بجانب تخليه عن جميع مشاكله قبل البدء فى عمله وتقطيع الخشب بالمنشار.

داخل أرض فضاء يستأجرها يونس مقابل 2000 جنيه شهريا، تتراص أغصان الأشجار الغليظة، يقف محمد جاد، أحد العمال، حاملا منشاره ويبدأ فى تقطيع الخشب وهى المرحلة الأولى فى تصنيع «الأورمة»، وحول مراحل تصنيعها قال: «لابد أن تتوافر فى الصنايعى خبرة طويلة والتى تؤهله لتقطيع الخشب بالمنشار وسنه دون إصابات وحسب المقاسات المطلوبة، وتصنيع الأورمة الخشبية يكون من خشب أشجار الصنط والكافور ويتم تقطيعها بأحجام كثيرة عن طريق المنشار الكهربائى، حيث يتم تقطيع الأخشاب وتدويرها وبعدها تخرط وتربع أرجل الأورمة على المنشار الكهربائى ثم يتم تثبيتها بالمسامير فى الأورمة وبعد ذلك تكون جاهزة للبيع».

وأشار جاد إلى أن «الأورم» يزداد الطلب عليها فى أشهر رجب وشعبان ورمضان والأعياد، لأنها مواسم مرتبطة بالأكل الكتير وتوزيع اللحوم.

وأكد يونس أن المهنة فى تراجع وانخفضت نسبة المبيعات بما يعادل 60%، والإقبال ضعيف على شراء منتجاتها، ووجه نداء إلى الحكومة بتشجيع منتجات الحرف اليدوية لأنها مهنة تحتاج إلى من يهواها، فالعملية ليست مجرد صناعة فقط، وإنما فن فى التصنيع.

توفير الأشجار ليس بالأمر السهل، فهو يعد من أصعب المراحل فى الصناعة، بسبب تكلفة النقل لأنه يجلب من المحافظات، وأوضح يونس أن الأشجار تأتى من أسيوط والمنيا وأسوان وبنى سويف، وأفضلها شجر السرسوع واللبخ بسبب خامتها الجيدة ولونها الذى لا يحتاج إلى إضافات.

انخفاض العائد دفع العشرات من «الأسطوات» إلى احتراف مهن أخرى بجانب عملهم، من أجل تحسين دخلهم الشهرى، ورفض عدد منهم توريث أبنائهم المهنة مثلما اكتسبوها من آبائهم فى الماضى. أحمد عبدالرحيم يعمل «أسطى» داخل إحدى ورش الخشب بمنطقة «الربع» لديه ثلاثة من الأبناء، ابتعدوا جميعا عن تعلم المهنة أو ممارستها، ورجع عبدالرحيم من جديد بذاكرته إلى أيام طفولته ومراهقته عندما دأب على الذهاب إلى «أسطوات» المهنة فى منطقة الدرب الأحمر والجلوس إلى جوارهم، فى شغف شديد، لتعلم المهنة التى ستكون مصدر رزقه فيما بعد.

وقال: «فى الماضى كانت الحياة هادئة، وأحلامنا بسيطة تتناسب معها وكان امتلاك شقة صغيرة والزواج أكبر طموحاتنا، إلا أن الوضع تغير الآن وشغلتنا تحتاج إلى مجهود بدنى وصبر والجيل الجديد لا يمتلك أى صفة تؤهلهم للاستمرار فى الحرف اليدوية».

هذا المقال "أسطوات «الأخشاب» في «الدرب الأحمر» بين «الصبر» و «انقراض المهنة»" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (المصرى اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو المصرى اليوم.

الكاتب

زينب شبيب

أخبار ذات صلة

0 تعليق