سعد القرش يكتب: مئوية الشيخ زايد في «الأهرام» تثير شجون المهنة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

وكأن الصحافة تحسست مصيرها، وتنبأت بمأزقها الحالي، حين أسست مبكرا جسورا توثق علاقاتها الموسمية أو الدائمة بالقراء، وتضمن ألا ينفضوا عنها. ومن العلاقات الخدمية الموسمية تنظيم مسابقات في البطولات الرياضية والمناسبات الدينية والوطنية، وتشترط أن تكون الإجابات مصحوبة بإيصال (كوبون) يقصه المتسابق من الصحيفة. وكذلك نشر صفحات يومية أو أسبوعية لمناهج دراسية لطلبة الشهادات قبل الجامعية، ثم تستعين مع اقتراب الامتحانات بنجوم محترفين في توقّع أسئلة الامتحانات وإجاباتها النموذجية. ومن الخدمات الجماهيرية الدائمة أبواب عيادات الصحف، وهي حلقة تصل القارئ بمستشفيات وأطباء يخصصون حصة مجانية لمرضى من القراء.
هذه الأدوار تنعش التوزيع، كما تجعل الصحف مسؤولة أمام الجمهور؛ فتحرص على أداء مهني يعطيها شجاعة تقديم كشف حساب إلى القارئ، باعتباره مموّلا رئيسيا بشراء النسخة. أما إصدار صفحات وملاحق ومطويات مصورة، في أعياد تخص هيئات وطنية ومحافظات مصرية، وكذلك في مناسبات وطنية لدول شقيقة وأخرى صديقة، فهو أداء ليس مهنيا خالصا، ولكن له وجها دعائيا إعلانيا. وربما لا يهتم به قراء يريدون شراء صحيفة تمسّهم موادها «الصحفية» بشكل حيوي. ولا أظن قارئا سيحرص على قراءة مواد تسجيلية عن وزارة البترول وقناة السويس والميزانيات السنوية للبنوك الوطنية المنشورة بخط تصعب قراءته إلى درجة تقترب من الاستحالة، فليست هذه الهيئات معروضة للبيع؛ لكي يكون المنشور عنها جاذبا لقارئ يفضل عليه صفحة متخصصة عن مرض التوحّد، أو تحقيقا طريفا عن متحف السكك الحديدية، أو دراسة مزعجة عن انهيار زراعة القطن المصري وغيره من المحاصيل، وعلاقة ذلك بالتطبيع مع العدو الصهيوني في مجال الزراعة.
وبشيء من الخيال وليس بسبب شحّ في تمويل يسهل تدبيره، كان بإمكان مؤسسة الأهرام بما تضمه من قاعات ومطابع ومركز للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن تصنع سياقا متصلا طوال عام 2018، للاحتفال بالعيد المئوي لأبرز الأعلام العرب ممن ولدوا عام 1918، وخصوصا الذين لا يزالون الأكثر إلهاما، من سياسيين ومثقفين وإرهابيين وفنانين أسهموا في وضع معالم القرن العشرين وما يليه، وهم يتوزعون على الخريطة من مصر إلى سوريا ولبنان والعراق والإمارات وغيرها، وأن يشمل الاحتفال ندوات ودراسات ومحاضرات وشهادات وكتبا تذكارية وأسطوانات غنائية وعروضا سينمائية. وكان يفترض أن تكون البداية بذكرى جمال عبد الناصر المولود في 15 يناير 1918، والنهاية بذكرى الشيخ زايد بن سلطان المولود في 2 ديسمبر 1918، وبين هذين القوسين تقام الاحتفالات تباعا بالشيخ إمام عيسي، وصبري مدلل، ومحمد فوزي، وليلى مراد، وفيلمون وهبي، ورباب الكاظمي، وفوزي رشيد، وجاك تاجر، وعبد الرحمن السندي، وأعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952 أنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيي الدين وجمال سالم. كان هذا النشاط المفقود كفيلا بإعادة الروح إلى الورق، وربط القارئ بالمكان وبالصحيفة، وتذكير الجاليات العربية في مصر برواد أنجبتهم بلادهم، وبأن الصحافة تؤدي مهام لا تغني عنها وسائل جديدة أكثر سرعة وجاذبية.
طُويت الأوراق، وانتهى العام من دون حصاد، باستثناء احتفال كبير لمؤسسة الأهرام بمئوية الشيخ زايد، ومعرض للصور في بهو المبنى الرئيسي، وكتاب تذكاري عنوانه «زايد في قلوب المصريين»، وهو مجلد ضخم فخم مصوّر يضم 348 صفحة، أشرف عليه أشرف العشري، وقدمه عبد المحسن سلامة رئيس مجلس الإدارة ونقيب الصحفيين، وشارك في كتابة مواده خمسة، هم خلف عبد العظيم الميري، ويحيى محمد محمود، ومحمد أبو الفضل بدران، وإيمان عبد المنعم عامر، وهدى مرسي خلف. أذكّر مرة أخرى: خمسة باحثين فقط.
علاقة الإمارات بمصر إذن وطيدة. ومنذ الخمسينيات استمر إرسال مصر لمهندسين ومدرسين وأطباء إلى الإمارات. وفي 6 أغسطس 1966 تولى الشيخ زايد مقاليد حكم إمارة أبوظبي التي استقبلت وفودا ومبعوثين من عبد الناصر، وفي مارس 1968 أرسل زايد إلى عبد الناصر رسالة حملها مبعوثه الشيخ حمدان بن محمد رئيس دائرة الأشغال العامة والصحة والتربية والتعليم. وفي يونيو 1969 حضر الشيخ زايد حفل استقبال في لندن أقامه سفير الجمهورية العربية المتحدة (الاسم الرسمي لمصر آنذاك). وفي الكتاب صورة ترجع إلى بدايات عام 1970 للشيخ زايد ينصت إلى المهندس المعماري المصري عبد الرحمن مخلوف وهو يستعرض مشاريع تنموية ستقام في أبوظبي. وفي مايو 1970 استقبل الشيخ زايد في قصره بمدينة العين الدكتور حسن عباس زكي وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية مبعوثا من عبد الناصر. إلا أن ناصر وزايد لم تجمعهما معا صورة فوتوغرافية، وفي الكتاب صورة لأسرة عبد الناصر تتلقى العزاء من الشيخ زايد الذي زار ضريح الزعيم. فماذا عن ذاكرة الصحافة المصرية؟
في 16 مارس 1968 نشرت الأهرام «أول حديث لحاكم إمارة دبي»، واحتل الحوار الذي كتبه مندوب الأهرام في أبوظبي صدر الصفحة الأولى، في «ملحق خاص يوزع مجانا مع العدد اليومي»، ومن عناوينه: «جهد هائل يبذل للقضاء على كل مظاهر التخلف في الإمارة وإعطاء مشروعات التعليم والصحة والإسكان أولوية خاصة في التنفيذ»، «أبوظبي تمد يد التعاون مع كل الدول العربية وفي مقدمتها الإمارات الشقيقة في منطقة الخليج». وفي الصفحة تقرير عن خطة خمسية للتنمية في أبوظبي، «لأول مرة في تاريخ ساحل عمان... قدرت مخصصاتها بحوالي 229 جنيه إسترليني وتنتهي عام 1970». وفي الصفحة نفسها عنوان لافت هو «النص الكامل لاتحاد إمارتي أبوظبي ودبي»، ونشرت صورتا الشيخ زايد والشيخ راشد بن سعيد المكتوم حاكم إمارة دبي، مع نص اتفاقية الإمارتين الموقعة في 18 فبراير 1968.
وفي صدر ملحق خاص عنوانه «أبوظبي» يقع في عشر صفحات، نشرت الأهرام في 5 أغسطس 1968 حديثا للشيخ زايد وجاء في عناوينه: «العمل العربي المشترك طريق مواجهة العدوان»، «مسؤولية مواجهة العدوان تقع على عاتقنا جميعا ويجب أن تتحمل كل دولة عربية نصيبها من المسؤولية»، «إذا كانت هناك خلافات في الرأي بين شيوخ الإمارات حول إقامة دولتهم فالمؤكد أن الجميع متفقون على دعم عروبة الخليج وحمايته من أي خطر». ويجذب الانتباه تغيير تكاليف الخطة الخمسية إلى العملة الوطنية «296 مليون دينار لخطة الإعمار الخمسية».
بعيدا عن الملاحق الخاصة، نشر هذا الكتاب التذكاري صورة من تقرير على نصف صفحة في الأهرام، بتاريخ 6 أغسطس 1971 «في مناسبة ذكرى تولي حاكم أبوظبي الحكم»، وصورة تقرير آخر لم يوثق تاريخه، ويشغل نصف صفحة أيضا، ومن عناوينه «جولة في الخليج العربي»، «لماذا تتعثر إمارات الخليج العربي في اجتيازها للمرحلة الدقيقة الراهنة». وتصاحب الموضوع الأخير صورتان للشيخ زايد، إحداهما منفردة، والثانية مع الشيخ بدر بن محمد الصباح رئيس مكتب الكويت في دبي، وبينهما طفل، حيث التقطت الصورة عقب حفل عشاء أقامه الشيخ بدر في منزله تكريما للشيخ زايد.
الدلالة المهنية لهذين الموضوعين هي احترام وعي القارئ وذكاءه، فلا محو لمسافة يجب أن تظل واضحة بين المواد التحريرية والإعلانات، إذ يعلو الصفحة، فوق عناوين الموضوعين، تنبيه صريح بكلمتيْ «موضوع تسجيلي». وفي الآونة الأخيرة اختفى تنويه «موضوع تسجيلي»، تقريبا، من الصحافة المصرية.
وبعد تعرّض الكثير من التراث التلفزيوني في مصر للتلف، لسوء الحفظ أو إعادة التسجيل على الأشرطة قبل نقل محتوياها رقميا، فإن الصحافة تحتفظ بقدرة دائمة على ترميم الذاكرة الجمعية، وقد صان توثيق «الأهرام»، لهذه الحوارات المبكرة مع الشيخ زايد، جانبا مهما من تاريخ اتحاد الإمارات، وهي مناسبة للإشادة بأهمية الصحافة الورقية، واستحقاقها حياة متجددة، فما يُكتب مستحيل محوه أو تزييفه، على العكس من الصحافة الإلكترونية، ورحم الله أحمد شوقي القائل:
لكل زمان مضى آية/ وآية هذا الزمان الصحف.

هذا المقال "سعد القرش يكتب: مئوية الشيخ زايد في «الأهرام» تثير شجون المهنة" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (الدستور) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو الدستور.

أخبار ذات صلة

0 تعليق