المستقبل.. الثقافة والمتغيرات والمجتمع.. جدل عميق

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

هناك جدل عميق على الساحة الدولية حول مستقبل الثقافة، ففى كل دولة يبدأ الحوار من دور المثقفين إلى هل هم فئة مهمة إلى دور الثقافة فى بناء خصوصية المجتمع والدولة. لكن دعونا نحدد من هو المثقف، المثقف: هو من يعمل فى أى مجال من مجالات إنتاج المعرفة أو نشرها، لقد كانت المشكلة إلى سنوات ليست ببعيدة هى الحصول على المعلومات، فأصبح من يختزن فى ذاكرته كمية كبيرة من المعلومات ويستطيع أن يربطها ليقدم رؤية تقوم على المعلومات المتراصّة فى صورة متتابعة، هو المثقف. لكن بعد انفجار المعلومات فى عصر الإنترنت، بات إنتاج المعرفة والعاملين عليها هم الأهم، فالمقولة التى تدل على إنتاج المعرفة هى (المعرفة قوة). إذن حيازة المعلومات هى الوسيلة الوحيدة لضمان البقاء والاستمرار، فى عصر بات فيه الصراع السياسى والاقتصادى والعلمى والثقافى على أشده، لفرض الذات على الآخرين. من هنا نستطيع أن نفهم ظهور مصطلح «Digital Gap» الفجوة الرقمية، هذه الفجوة التى تتزايد يومًا بعد يوم فى وقت يثير فيه منتجو المعرفة الرقمية مشكلات مستمرة، مثل إخضاع الشبكات الرقمية لرقابة صارمة، وإثارة عقبات مثل حقوق الملكية الفكرية، وفرض أسعار مبالغ فيها على البرمجيات مما يحرم من لا يملك المال من امتلاك المعرفة العصرية.

هذا مؤشر إلى أن العاملين فى مجالات إنتاج المعرفة يجب أن يحوزوا مستوى عاليًا من المعرفة، وتخزين المعلومات فى بنوك لاستدعائها حسب الطلب. إن تحول الحكومات والمؤسسات إلى حكومات إلكترونية، يستدعى إنشاء مراكز هدفها تفسير التغيرات التى تحدث فى المجتمعات نتيجة لهذه التحولات، وهنا تبرز طبقة المثقفين التى تحاول أن تفسر أو تستنتج التحولات الحادثة فى المجتمعات.

لذا لن نتحدث هنا عن دور مؤسسات أو وزارات الثقافة فى صناعة مستقبل الثقافة العربية؛ إذ إن هذه المؤسسات ما زالت أبعد ما تكون عن هذه الصناعة، فالمثقفون دأبوا على أن يلتحقوا بمؤسسات ثقافية ليعملوا من خلالها فتعطيهم الشهرة، أو يرأسوا مجلات ثقافية أو دوريات علمية.

لذا لدينا هنا عدة محددات هى: - قوة المعرفة - صناعة المعرفة - صناع المعرفة. فقوة المعرفة هى التى تحدد اليوم قوة أية دولة أو مجتمع، وصناعة المعرفة هى أداة الدولة لذلك الهدف، وهو حيازة المعرفة. وصناع المعرفة لم يعودوا هؤلاء المثقفين التقليديين بل إن صناع المعرفة اليوم ينقسمون إلى ما يلى:

الأفراد المبدعين.

المؤسسات الحكومية كوزارات الثقافة والهيئات الثقافية التى لعبت خلال الخمسين عامًا الماضية الدور الرئيسى فى صناعة المعرفة وتحول صناعها إلى موظفين لديها.

المجتمع المدنى: سواء فى شكل مؤسسات مثل مؤسسة الفكر العربى التى قامت على دعم مجموعة من الشخصيات العامة العربية، أو الأفراد مثل المجلة الثقافية الجزائرية التى أخرجت الثقافة الجزائرية من محيطها الوطنى الضيق إلى الوطن العربى الكبير لأول مرة، عبر جهود تطوعية من مثقفين جزائريين، أو موقع دار الكتب الإلكترونى المصرى الذى قام على أكتاف مجموعة من الشباب.

هنا لابد لنا ان نستحضر مفهوم الثقافة لكونه فاصلا فى هذا الطرح. تنطوى كلمة ثقافة Culture، مثلها مثل كلمة إجماع Community، على مجموعة من المعانى المتعددة المتنازعة، وفى معناها الأصلى تشيد هذه الكلمة الإنجليزية إلى أمرين مترابطين: الأول هو فن ممارسة الزراعة Cultivation، والثانى هو الوسط Medium الذى تنمو فيه الأشياء؛ حيث يمكن تغذيتها ورعايتها، وتعنى كلمة Cultivation تهيئة الظروف التى تمكن الأشياء من النمو، وبذر هاتين الكلمتين هو الكلمة اللاتينية Cultus التى تعنى الرعية، وبالتالى فإن Cultivation هو رعاية الأشياء والاهتمام بها. والثقافة Culture هى إذا بهذا المعنى، التعبير عن ذاك الذى نهتم به ونرعاه، وهكذا دخلت هذه الكلمة إلى اللغة الإنجليزية فى القرن الخامس عشر، لكن معناها توسع وتغير تغيرًا هائلاً منذ ذلك الحين.

فاليوم نحن نستعمل كلمة Culture للدلالة على أنظمة المعنى وأنماط الحياه التى تتمخض عن ممارسات الحياة وتعكس أولوياتهم وتوقعاتهم.

هذا يقودنا إلى تحليل المجتمع الذى تنتج عنه ممارسات الحياة، فلكل مجتمع (قبيلة- مدينة- دولة- أمة- حضارة) من يحترف فيه الفكر والثقافة والكتابة أو يمكن أن نطلق عليه من يحترف القول الثقافى، الأسطورى أو المقدس، وتقوم وظيفة هؤلاء على إنتاج الخطابات الضامنة لهوية الجماعة والقيم المركزية السائدة فيها فى الزمان والمكان.

لكننا فى عصر أصبحنا فيه فى حاجة ماسة إلى من ينتجون الخطابات التى تصيغ هوية الجماعة وقيمها وبثها فى الزمان والمكان..، فإدراك المجتمع لذاته بات متذبذبا إذ يتقوقع أفراده داخل الشبكة الرقمية سواء عبر الأجهزة اللوحية أو على شاشات الهاتف المحمول.

إن هذا يقودنا إلى المقولات السياسية التى تصيغ خطاب ترسيخ الهوية الوطنية، هذه المقولات تحتاج بصورة مستمرة إلى التأكيد وإعادة تقديمها فى قوالب تتناسب مع كل جيل، فنحن فى عصر تتهدد فيه الهويات الوطنية، فعلى سبيل المثال يمكن استعادة الموروث الشعبى الوطنى الذى يعبر عادة عن عمق ثقافى ليؤكد للأجيال تمثيلات مثل من نكون؟

السرديات الوطنية تولد حالة من الترابط وصور ذهنية مشتركة تؤكد أن الفرد جزء من مجتمع أكبر، وفى هذا السياق تلعب أفلام السينما وبرامج التلفاز والمواقع الرقمية والألعاب الرقمية ومسلسلات الكرتون أدوارًا مهمة حتى الحملات الإعلانية فى تقديم روح الهوية الوطنية بطريقة تجعلنا نشعر بالانتماء بالفخر والاعتزاز بالوطن، من هنا نرى اللحمة الوطنية، نجحت الإمارات العربية المتحدة فى ذلك من كل عام فى 3 من نوفمبر فهذا حدث فجر طاقة التأكيد على الهوية الإماراتية بطرق ومستويات متعددة. إن كوننا جزءًا من مجتمع أكبر، نكون فى حاجة إلى صور ذهنية ومقولات تترسخ فى داخلنا لتؤكد لنا من نحن ومن أين نحن وإلى أين نحن ذاهبون؟ ومن دون ذلك يصبح لدينا اهتزاز فى شخصيتنا، بل وعدم قناعة بالوطن الذى نعيش فيه. إن فقر الخيال فى إعادة إنتاج السرديات الموروثة المعززة للهوية، بل أحيانًا يضاف لذلك فقر خيال من يقومون على إعادة إنتاج الهوية الوطنية، خطر غير مشاهد وغير منتقد على الأصعدة الوطنية العربية وفى العديد من دول العالم. هناك يقودنا الحديث إلى الجدل العميق على الساحة الدولية حول مستقبل الثقافة، ففى كل دولة يبدأ الحوار من دور المثقفين إلى هل هم فئة مهمة إلى دور الثقافة فى بناء خصوصية المجتمع والدولة، ومن هنا فإن المثقف له دور كبير فى ذلك.

هذا المقال "المستقبل.. الثقافة والمتغيرات والمجتمع.. جدل عميق" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (المصرى اليوم) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو المصرى اليوم.

الكاتب

زينب شبيب

أخبار ذات صلة

0 تعليق