مريم جمعة فرج تترك «فيروز» وحيدة

مريم جمعة فرج تترك «فيروز» وحيدة
مريم جمعة فرج تترك «فيروز» وحيدة
الشارقة:عثمان حسن

غيب الموت، أمس الأول، الكاتبة الإماراتية مريم جمعة فرج التي تعتبر من رائدات فن القصة القصيرة في الإمارات، عدا كونها مِن أوائل مَن تخصصن بفن الترجمة، فقد تخرجت في جامعة بغداد - تخصص اللغة الإنجليزية، ورأت أن تكمل تخصصها بالترجمة الإبداعية في جامعة لندن، وقد ترك رحيل مريم فرج خسارة كبيرة في الساحة الثقافية الإماراتية والخليجية، فقد كانت تمتاز، رغم قلة ما أصدرته من مؤلفات، بقلم إبداعي نادر، عارف بفن القصة القصيرة، فقد كتب عنها النقاد ما يفيد بأنها كانت شديدة الذكاء في اختيار عباراتها، حيث كانت جملتها القصصية مكثفة، وهو الأسلوب الذي رافقها في بواكير رحلتها الإبداعية في ثمانينات القرن الفائت، كما برز في مجموعتها القصصية «فيروز» في 1984، ومجموعة «النشيد» التي أصدرتها بالتعاون مع سلمى مطر وأمينة بوشهاب عام 1987، ثم مجموعة «ماء» التي صدرت في 1994، وكذلك «امرأة استثنائية» في 2003، والتي احتوت ترجماتها وتعليقاتها على تجارب الإبداع النسائي العالمي.
في أحد الحوارات التي أجرتها جريدة «الخليج» مع الراحلة مريم فرج، تحدثت عن مشوارها في الكتابة الإبداعية، وكيف أنها اقتحمت فن القصة القصيرة من خلال الشعر، وكيف أنها كانت معنية بقضايا مجتمعها وخاصة المرأة، غير أن ما في هذا الموضوع، هو تلك الصراحة التي صدرت عن مريم فرج، وهي تصف أحوال أسرتها المكونة من والدها ووالدتها وأشقائها وشقيقاتها، والدها الذي ينتمي إلى الطبقة العاملة في ذلك الحين، ومع ذلك، فقد كانت ترتبط هذه العائلة برباط الحب، وهي الأجواء التي يبدو أنها قد صنعت لاحقاً الطفلة المبدعة، التي أحاطت بتلك البراءة وتلك العفوية، التي تكتنف الأشياء، هنا يتطابق الخارج مع الداخل، يصبح الاثنان صنواً واحداً، وصورة شفافة، تعلق في ذاكرة الطفلة، وتنمو معها لتخلدها شحنات إبداعية صادقة.
مما كتب عن الفقيدة المبدعة مريم فرج، أنها امرأة مكافحة بكل ما للكلمة من معنى، فقد أشرفت بعد رحيل والدها على تربية أشقائها وشقيقاتها الذين بلغ عددهم 11 فرداً، تقول: «إن إخوتي الأصغر، خاصة الذين أشرفت على تربيتهم إلى جانب والدتي، يعتبرونني أماً ولست أختاً لهم، نحن 11 أخاً وأختاً، أكبرهم أنا، فقدنا أخوين وأختاً ماتت وهي طفلة، رحم الله والدي وإخوتي وموتانا أجمعين، الحمد لله أنا مطمئنة على إخوتي، فهم يقومون بواجبهم تجاهي، نجتمع على الدوام، وأكرس كل اهتمامي لهذا اللقاء الحميمي، نجلس ومعنا أطفال إخوتي الذين أحبهم وأتسابق ويتسابقون على عمل ما يرضينا جميعاً».
عاشت مريم فرج طفولتين، إحداهما في الكويت، وقد وصفت أحوال تلك البيئة المحافظة، التي كانت تعتقد أن مكان المرأة هو البيت، غير أنها ظفرت بوالدة شجعتها على التعليم، وكانت بدايات دخولها المدرسة في الكويت، حيث كان يعمل الوالد، وهنا، تتحدث مريم فرج عن مشهد الستينات وحقول النفط، ثم تتحدث عن الإمارات التي كان يطلق عليها «الإمارات المتصالحة» فتتوقف عند هذه العبارة فتصفها بالجمال وتقول «اسم يدعو إلى الفخر فالتصالح قوة في حد ذاته».
أكملت مريم فرج الثانوية العامة في مدارس دبي، وانتقلت إلى بغداد، وعادت إلى وطنها الإمارات، مفعمة بطاقة وحيوية أبهرت بنات جيلها من الكاتبات الإماراتيات.
وهنا، بدأت رحلتها الإبداعية ترسم معالم القصة في الإمارات، بل تطرز مشهداً لم يكن مألوفاً، بما امتازت به من أسلوب قصصي يمزج بين حداثة القصة كما عرفتها من خلال الدراسة الأكاديمية، وما استوعبته من قراءات ثقافية معمقة، ولكن، أيضاً بنكهة عربية وخليجية فيها الكثير من رومانسية القاص في إخلاصه للبيئة، ونقله لكثير من الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة حينذاك، في مغامرة جديدة من الصدق والإيمان بدور الأدب في الثقافة والوعي والتنوير.
وقد مارست خلال التسعينات إلى جانب نشاطها الإبداعي الكثير من النشاطات الاجتماعية والنسوية في دبي، كما كانت حاضرة في صورة المرأة المثقفة المتواضعة، التي تكن حباً شديداً لأسرتها ومحيطها الاجتماعي، ولأنها كذلك، فقد أوقفت مشروعها الإبداعي القصصي، لأسباب قاهرة، ونعود إلى نقطة البدء، فهي العائلة، بل لُحمة العائلة، فقد قدر لها أن ترعى والدتها المصابة بمرض السرطان، وبعد أن توفيت الوالدة، رأت من واجبها أن ترعى والدها المريض، حتى توفاه الله.
لكنها سرعان ما عادت إلى نشاطها الإبداعي، وهذه المرة من خلال الإعلام، فقد كانت مريم فرج كاتبة من نوع خاص، تختار موضوعاتها بعناية ومرة أخرى، بنكهة لا تقل وعياً وثقافة.
ترحل مريم فرج وتغادر الدنيا، غير أن اسمها يظل حاضراً في وجدان من عرفها من الكتاب والكاتبات الإماراتيات، بوصفها واحدة من أهم كاتبات القصة القصيرة في الإمارات، عاشت فن القصة القصيرة بكل جوارحها، كما تجلى في تواضعها ورهافتها العالية، عاشت هذا الألق على نحو شعري، كما هو في حياتها الواقعية، وبمثل ما جسدته من تواضع، كما انحازت في قصصها إلى الطبقات المسحوقة والفقيرة، ذلك لأنها أرادت أن تكون موضوعية حين تكتب، فيظهر على سطح الكتابة شيء منها، وهو ما عاينته في تجربتها، فكان لسان حال تلك النشأة التي شكلتها امرأة مبدعة تثق بفن الكتابة مشروعاً يُعَبِّر عن أحلام الناس ويعكس إيمانهم بالحب والحياة.

هذا المقال "مريم جمعة فرج تترك «فيروز» وحيدة" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (الخليج) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو الخليج.

التالى بالفيديو.. خالد عكاشة يتحدث عن جهود مصر لمواجهة الأزمة في ليبيا