في العمق: ظاهرة التنمر السياسي في منصات التواصل الاجتماعي.. إلى أين؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

د. رجب بن علي العويسي

لعل المتابع للمشهد السياسي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما وصلت إليه ردود الأفعال والنقاشات والحوارات ذات العلاقة بالأحداث السياسية الدولية عامة وأحداث المنطقة العربية والخليجية بشكل خاص، يلحظ بوضوح حجم السقوط الفكري والأخلاقي والقيمي المرتبط بهذه الأحداث والمؤشرات التي تبرز ضعف أو غياب ثقافة الحوار وحرية الرأي والتعبير والنقد البناء أو كذلك تدني مستوى ثقافة المواطن العربي ـ مع عدم التعميم ـ في قراءاته وتصوراته وتحليلاته وتقييماته السياسية، إذ هي في الغالب مبنية على الولاءات والتكهنات والافتراضات الذاتية، مع صغر حجم المساحة التي يمنحها للموضوعية والمنهجية والمصداقية في عملية ردوده في مقابل اختزال هذه الأطر في ردود فعل غاضبة وانفعالات سقيمة ووجهات نظر سلبية وأنماط تفكير تقليدية، يصاحبها طرح غابت عنه مسارات الأخلاق أو يفتقد لأبسط معايير الطرح السياسي المنهجي، ليبقى الأمر مجرد خزعبلات محل نزاع وصراخ وسباب وشتم وتهكم وسخرية، في وقت عزز فيه التجييش الإلكتروني من اتساع حجم المهاترات السياسية التي باتت تكشف حجم الثغرات التي تعيشها الأمة في أهم مكوناتها وأضخم استثماراتها وهم فئة الشباب المترددين على هذه المنصات بما يعكس تحديات قادمة سيبرزها الواقع الافتراضي على الأرض تضع التعليم والإعلام ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والأسرة والأطر السياسية والأجندة الفكرية والثقافية أمام علامات استفهام كبيرة حول موقعها من هذه الفجوة ومساهمتها في هذا النفوق الحاصل في المنتج العربي.
لقد وصل المشهد السياسي في منصات التواصل الاجتماعي إلى وضع مقلق، أسدل الستار على كل الآمال المرجوة من الانفتاح الفكري، إذ يغلب على محتواها ضعف الرصانة وركاكة النص وضعف الطرح وازدواجية التقييم واختفاء مسارات التحليل، فما طرحته الكثير من الحسابات الوهمية أو الصريحة من عبارات وأفكار أقل ما يمكن وصفها به، أن الأمة تعيش حالة من “التنمر السياسي” تقوم على الاعتداء الفكري والتهديد الأخلاقي واللامبالاة أو السخرية بآراء الآخرين، ونشر الأكاذيب وإثارة التهم، والترويج للإشاعة والمعلومات المضللة؛ ونشر معلومات أو صور محرجة عبر هذه المنصات، أسست في مجملها لحالة العداء والقسوة الفكرية والشماتة المهنية التي تخلت عن مكوناتها وأضاعت مبادئها، بما انعكس سلبا على كل معطيات الحياة اليومية للإنسان العربي، وبدا واضحا أن هذه المنصات أصبحت فرصة غير مربحة لمن لم يستثمرها في البناء والتطوير، بينما تستفيد منها بعض الأجندة العالمية في تحقيق أغراضها ودوافعها الخفية لتقرأ في المقابل شخصية الإنسان العربي من الخليج إلى المحيط، في طبيعة التفسيرات والاتجاهات المرتبطة بها والتي باتت تضع علامة استفهام على جدية توجيه هذه المنصات، والاستفادة من نواتجها الإيجابية، ومتطلبات الاستثمار الأمثل لها في نقل الإنسان العربي إلى حالة يستشعر فيها بقيمة ذاته في ظل التزامه معايير النقد البناء والرأي الآخر ومفاهيم الحوار وتعدد الآراء، لتفصم عن حالة التقزم التي يعيشها الفكر العربي الذي يتجه إلى تسطيح الواقع بتمجيده لغة الحرب والاستهتار والاعتداء على مقدرات الشعوب وهويات الأمة، وتدخله السافر في السيادة الوطنية للدول، وتنميقه للغة الكراهية والحقد على أنها دفاع عن الحق ومنع من التمدد…إلخ؛ وهي معطيات باتت تعبر عن حالة الفجوة في المسارات السياسية والإعلامية، إذ باسم حرية الرأي والإصلاح ومعالجة الفساد يُغلب سلوك العدائية والتشويه نحو الآخر وإبهات صورته في الواقع الافتراضي، فردا أو مجتمعا أو وطنا، وفي المقبل تجاوز هذا السلوك أروقة السياسة وفضاءات الإعلام ومشهد لقاءات السياسيين واجتماعاتهم لينتقل إلى البيت الداخلي، فيتحول إلى قنبلة موقوته قد تنفجر في أي وقت. ولعل ما يحصل من تقاطعات حول القضايا المصيرية بين أبنائها وشبابها مؤشرات سلبية لنواتج هذه الحالة على المجتمعات العربية متناسية كل المقومات التي ارتبطت بحياة الأمة ومسيرتها في العقود الماضية وتعاطيها الباسل ودفاعها المستميت عن إنجازات الأمة وهويتها في مواجهة الاستعمار، لتعبر هذه الحالة عن مشهد سياسي قادم يستهدف استنزاف أولويات الأمة ومقومات نجاحها عبر إدخال شبابها في حلقة مفرغة من الشعور الأخوي، وخلافات عقيمة، ونزوات طائشة تفتقر للمهنية والوعي والمبدأ، فإن ما باتت تحمله هذه المنصات في صفحاتها من مؤشرات سلبية ومشوهات فكرية وما تعيده في ذاكرة الإنسان العربي من نعرات قبلية وخلافات مذهبية والدخول بها في متاهات ضيقة، لتصل به إلى مرحلة تحجب فيها عنه مسارات التفكير ونضوج الوعي وإشغاله بقضايا جانبية ومسوغات خلافية.
على أن ما يحصل في منصات التواصل الاجتماعي اليوم من انفعالات وتجاوزات ونقاشات تتقاطع في مجملها مع ما تقره الأديان وتسطره التشريعات والقوانين، ظاهرة خطيرة غيرت مجرى المسار وأفصحت عن حالة العدائية والتنمر التي باتت تغرس في الشعوب حول ذاتها والآخر المختلف، وما تبعها من إقصاء لمفهوم المشترك الإنساني، ليتراجع إلى الوراء ويعيد مسألة صدام الحضارات إلى الظهور ويبرز وجهها القبيح المشوه الذي بات يغرس سمومه في كيان الأمة فيعيدها إلى سابق عهدها غير مستفيدة من هذه الفرص التي أوجدتها التقنية، في بناء مفهوم أعمق للعيش المشترك في ظلال التقنية التي قربت العالم وجعلته أقرب إلى كونه قرية صغيرة لتعطي مساحة أكبر لتفاعل الثقافات وحوار الحضارات، فإن التنمر السياسي الذي صنعته الفضاءات المفتوحة، والذي جاء متزامنا مع حالة عدم الاستقرار التي يعيشها العالم أجمع والمنطقة بشكل خاص منعطفا خطيرا، يطرح في المقابل معادلة البحث في آليات ضبطية فاعلة، تطول هذه المنصات وأطرا عالمية مساندة، وشراكة دولية قادرة على توفير أرضيات أكبر للحوار العالمي وتعميق النظرة الإيجابية في توظيف هذه المنصات من أجل عالم السلام والتنمية، وتمكين أجيال العالم من إتقان أدوات الحوار وآليات النقاش والتخاطب والنقد والردود على وجهات النظر وتقبلها في ظل موضوعية واعتراف ومصداقية، وبالتالي اتخاذ كافة التدابير والإجراءات في سبيل تحقيق تفاهمات إقليمية وشراكات دولية نحو معالجة نواتجها، وتأطير المفاهيم التي تعمل هذه المنصات على إطلاقها، بالشكل الذي يستوعب الظروف التي تعيشها الإنسانية وكيف يمكن من خلال هذه المنصات الوصول إلى إطار أخلاقي عالمي يحفظ حقوق هذه المنصات من التشويه أو استغلالها السلبي، بما يضمن مساحات التعايش الفكري والتناغم المعرفي والتفاعل الجدي في إنتاج قضايا نوعية مفيدة وطرح تساؤلات واستفسارات منتجة تعزز من فرص الوعي وتبني في الجيل القادم للأمة فرص البحث عن المحتوى الفكري الراقي، بالشكل الذي يعزز الدور القيادي للشباب في التعاطي الواعي مع قضاياه، بحيث تصبح منصات التواصل الاجتماعي استراحة عمل في إعادة إنتاج الواقع الافتراضي بحيث يقترب من روح التجديد ويتناغم مع حقيقة الحميمية والمشتركات التي تجمع بين البشر، وبالتالي توجيه هذه المنصات لبناء مسارات الخيرية وترقية الفطرة الإيجابية، وتصحيح النوازع النفسية، وإعادة إنتاج الثقة بين قيادات الأمة في مواجهة حالة الظنون والشك التي بدت تسيء للآخر، وتضعه في القائمة السوداء، وما يحمله هذا الخلاف الناتج والتباين الحاصل في ردود الأفعال، وحالة النفور والتنابز والتهجم بين مستخدمي هذه المنصات من فرص لنمو ثقافة التنمر، لتصبح بيئة خصبة لإثارتها وإبرازها وتحويلها إلى مسار يتنافى مع كل الموجهات الساعية لبناء السلام والتنمية، ويتقاطع من كل دعوات الأديان نحو التآلف والتناغم بين الجنس البشري لمزيد من الاستقرار والتطوير والتقدم، ولصناعة إنسان مؤمن بإنسانيته، مدرك لحقوق الآخرين عليه، يقبل الاختلاف كسنة كونية ويدرك قيمة التنافس كسلوك يتميز فيه عن غيره، إذ به يتقدم ويتطور في ظل مراعاته لحقوق الآخرين وإيمانه بمبادئ تكافؤ الفرص وحرية الاختيار، والمسؤولية الفردية والجماعية، وعدم الإكراه على الفعل، والعيش في ظلال السلام والأمن.
إن الغموض المستقبلي الذي تفرزه هذه المعطيات، يحتم البحث عن ممكنات أخرى تساعد هذه الفضاءات على إعادة تصحيح ممارساتها بطريقة تقترب فيها من هوية مجتمع التنمية الذي يفترض أن يعمل من خلال هذه المنصات على تقوية حضوره بين سطورها وصفحاتها، وتقويض كل المسببات والأوهام والدوافع السلبية التي باتت تطرحها هذه المنصات في الواقع، وهو ما لا يتأتى إلا بإزالة كل الشوائب والمفاهيم والمنطلقات التي تؤسس لنرجسية التعامل مع هذه المنصات وافتقارها للأخلاقيات الداعمة لنمو مسار القوة في منتجها، فالمحتوى المبتذل والطرح العقيم والتساؤل الاستفزازي والرد السطحي، والأسلوب الرديء الذي يمتهن الكرامة ويقتل المروءة ويمجد الاعتداء على التاريخ والفكر والهوية والخصوصية والمبادئ والسادة الوطنية للشعوب نباتات سامة، وما أنتجه المشهد الإعلامي والسياسي من سلوك التنمر وأسسه من فرص العدائية وإغلاق فرص الإصلاح وتعميق النظرة التشاؤمية، وحالة الأنا والفوقية والسلطوية التي باتت تمارسها السياسة والإعلام في انحراف صريح عن رسالتهما في الحياة، وافتقار للأخلاق والقيم التي توجهها في رسم ملامح التغيير، ومد جسور التواصل بين البشر. ولعل انتكاسة هذا الدور الذي قدمه الإعلام في الفترة الماضية والذي ارتبط بلغة تمجيد المصالح وتعميق الأنا ومحاولة تشويه صورة الآخر، وحالة الانحياز السلبي والنظرة العقيمة التي باتت تتولد نتيجة المشهد السياسي المتأزم، وما قدمته بعض قنوات الإعلام المسيسة بالمنطقة والعالم من مساوئ وأحداث، وسلط الضوء عليه عبر قنواته وصفحاته من انحرافات استغل فيها ضعاف النفوس والباحثين عن الشهرة ومن يسعون للحصول على التأييد والدعم ومن يحملون اجندة سياسية وإعلامية وفكرية مبتذلة.
ويبقى على العالم اليوم حكوماته وقياداته ومؤسساته ومنظماته، توجيه هذه المنصات عبر زيادة مساحات الالتقاء والتعارف، ودمجها مع مسارات التفكير البشري لتوليد بدائل واضحة لحل قضايا الشعوب ومشكلاتها الاقتصادية والصحية والبيئية والفقر والجوع والأمية والتهميش والفوضى السياسية وضعف الأخلاق، وإنتاج معالم جديدة لحياة السلام والتنمية التي تتعايش في ظلها كل الشعوب ويندمج في بوتقة عملها الشباب، فإن الشباب العربي وهو ينتظر من هذه المنصات أن تكون منصته التي ينقل عبرها صوته ويعبر فيها عن ذاته، ويفصح فيها عما يدور في خلجاته، ويتحدث فيها بما يعبر عن توجهاته، ويرسم فيها عادات التحول التي ينميها في ذاته، يجب أن يقرأ في وجودها قيمة مضافة تستفيد منها المجتمعات والحكومات في الاهتمام بقضايا الشباب والباحثين عن عمل والتشغيل وثقافة الشباب والطموحات والتوقعات والإدارة والتنظيم والهوية والسلوك، وبالتالي أن تصبح هذه المنصات مساحة فضائية واسعة تقرأ واقع الشباب وتفكيره وما يحمله من أرصدة نجاح وعوامل بناء ومقومات قادمة تعزز حضوره الفاعل في كل أحداث العالم، وإذا كانت المواقف هي من تصنع أخلاق الشعوب وتترجم معدنها الأصيل في قدرتها على تجاوز غوغائية السياسة واختلافات السياسيين، أو انسلاخ الإعلام عن كينونته ونفوقه في أرض جدباء غير قادر على إعادة تصحيح مسار الأجيال، فإن ما تعيشه منصات التواصل الاجتماعي من تنمر أضعف مسار القوة في حياة الأجيال وأزهق منصات البحث في الخيال وإذكاء روح المنافسة في بناء مشروع الامة القادم، فإن نمو البيئات المملؤة بالكراهية وثقافة العدوان في المنصات المفتوحة، تحول خطير في المشهد السياسي العربي القادم عبر توجيه الشباب وإشغاله بقضايا السياسة والاهتمام بتتبع أخبار السياسيين وتركيز اهتمامه على الدخول في تفاصيلهم، وتهويل الحقائق وتزييفها، لتصبح منصات التواصل مدخلا للفتنة وإنتاج ثقافة الخوف والكراهية؛ فإنه بذلك يقتل فيهم مفاهيم الطموح والتغيير والابتكار والموهبة والتجديد والإنتاجية وإعادة رسم المسار وتوجيهه. وهو ما يمكن أن يتحول إلى سلوك فردي وحالة شخصية يتقمّصها الشباب تظهر في تصرفاته العدوانية، ورغبته في الانتقام والابتزاز.
وأخيرا وفي ظل ما أشرنا إليه، نتساءل: هل ما يحصل في منصات التواصل الاجتماعي من سلوك التنمر السياسي، ظاهرة صوتية موقوتة ناتجة عن حالة التصادم وعدم الاستقرار والازدواجية في معايير السياسة الدولية وتراجع سلبي في دور الإعلام المتزن كتعبير عن فترة زمنية تحمل معها ظروفا وأحداثا محددة، وفي ظل ظروف سياسية وضعت المنطقة على فتيل نار تكاد أن تشتعل في أي وقت في ظل حالة التأزم وضعف الثقة والجدية في القبول بمبدأ الحوار الجاد والاستفادة من فرص الدبلوماسية في معالجة القضية والوقوف على مكامن السلوك؟ أم أن المسألة تجاوزت ذلك كله حتى أصبحت مشهدا قادما بما يعني أن المنطقة مقبلة على الخيارات الأضعف في حلحلة قضاياها ناتجه عن حالة التهور والاندفاع وهو أمر له نتائجه الخطيرة على أمن المنطقة واستقرار بلدانها وكرامة مواطنيها، خصوصا إذا ما علمنا أن مسألة التنمر السياسي في هذه المنصات تجاوزت اليوم الحسابات الشخصية، إلى دخول السياسيين ومؤسسات بحثية وعلمية، في خط الإثارة وزعزعة الاستقرار عبر تصريحات تحمل معها ملامح سوداوية وظروفا قاتمة وأوضاعا تقصم الظهر وتنسف جهود التطوير التي عاشتها المنطقة في العقود الخمسة الأخيرة، وما يعنيه ذلك من وجود تدخلات إقليمية ودولية تستهدف النيل من أمن الأوطان واستقرار البلدان وامتهان كرامة الشعوب والاعتداء السافر عن مقدراتها وثرواتها وأرصدتها؟ فهل سيصبح التنمر مسارا جديدا لتغيير المفاهيم والأفكار التي يؤمن فيها جيل الشباب العربي والذي يجد في منصات التواصل الاجتماعي مساحة احتواء له وحاضنة لأفكاره، بما تؤسسه في الأجيال من فكر مشوه وقناعات غير مدروسة وأفكار متذبذبة وأنماط من السلوك تفتقر للمبدأ وتتقاطع مع الأخلاق؟

هذا المقال "في العمق: ظاهرة التنمر السياسي في منصات التواصل الاجتماعي.. إلى أين؟" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (الوطن (عمان)) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو الوطن (عمان).

أخبار ذات صلة

0 تعليق