م. أشرف غسان مقطش على هامش عنجرة (4): فصل الصيف

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

م. أشرف غسان مقطش

إذا قلت لك: أنظر إلى قاعدة الشيء الفلاني، فإنك ستنظر إلى أسفله بلا شك، إلا إذا كان الشيء مقلوبا.

في عنجرة منطقة إسمها: القاعدة. وعلى عكس ما قد يوحي لك إسمها من معنى، فإنها ليست أسفل جبل ما أو قاع واد ما، بل هي أعلى قمة في جبال عنجرة.

والقاعدة في عنجرة قبلة الهواء العليل في تموز، ورعشة الحر في آب.

وهي مسرح "الهش والنش" في ظل سنديانة غضة الأفنان أو فيء شجرة صنوبر باسقة على مدار صيف حار قد يتشرف بغابات القاعدة وكرومها.

وهي قشعريرة الشاي المغلي على الفحم عند إسدال الستارة مع إتكاء الشمس على وسادة غروب عنجراوي ساحر. وضع خصلة نعناع على الشاي واشرب وتأمل فينوسية المكان في حضن زمان عنجرة.

صيف عنجرة هو موعد العنجراوي مع إبتسامة نابضة بالبهجة إذ ترتسم على محياه وهو يقطف الثمر عن الشجر: الكرز، والأزكدنيا، والمشمش، والدراق، والبرقوق والخوخ بمختلف أنواعهما: الفرموزا، انجلينا، المعطر، خشم العجل، البلحي، الأصفر، والتفاح بمختلف أنواعه: جولدن، السكري، البلدي، والعنب بلونيه الأسود والأخضر، وبأنواعه: بناتي، إصبعاني، البلدي، والتين بأنواعه: الدافوري، الخضاري، والرمان.

ولك أن تتخيل عظمة المرأة العنجراوية إذ تنتج أطيب واشهى أنواع المربى من مختلف أصناف خيرات الصيف العنجراوي السالفة الذكر. وإمض بخيالك في تذوق دبس رمان عنجرة إذ تضيفه إلى مختلف أنواع السلطات العنجراوية مع بداية خريف عنجرة، أو تخلطه مع طحينية الكسيح في كنكنة شتاء عنجرة، وفي التلذذ بخبيصة وزبيب عنب عنجرة في عز شتائها، والتحلي بقطين تين عنجرة في ذروة الشتاء العنجراوي.

وكلما انبلج صباح صيفي في عنجرة، وتثاءبت الشمس إذ تصحى من غفوتها على راحتي يدي عنجرة، تجد "طعيمة" في أحد شوارع عنجرة.

طعيمة ليس عامل نظافة ينظف طرقات عنجرة وشوارعها من النفايات المترامية على أطرافها وحسب، إنما هو رمز حي لنظافة العنجراوي، وأكبر مثال ممتلئ بالحيوية على عزة نفس العنجراوي، ودليل قاطع على عشق العنجراوي لعنجرة.

يظهر ذلك من خلال حرصه اللامتناهي على القيام بعمله على اكمل وجه، ويبرز ذلك من خلال إصراره الشديد على تأدية واجبه بإخلاص كبير، ويتبين لنا ذلك من رفضه لأي هبة أو منحة مقابل أداء عمله بأمانة، لماذا؟

لأنه مؤمن بقرارة نفسه إن ربا في الآخرة سيحاسبه على كل ما يقوم به لأجل عنجرة التي يعتبرها أم المدن، لذلك لا يتردد قيد أنملة في خدمتها بتفان عظيم من خلال تنظيف دروبها وازقتها.

وكلما تشرف المساء الصيفي بسحر عنجرة، كانت مجموعة من الشباب تلتقي على باب الدكانة: دكانة عزام.

دكانة عزام ليست مجرد دكانة على قارعة طريق، ليست محلا له سجل تجاري في غرفة الصناعة والتجارة وحسب.

دكانة عزام: ملتقى شبابي على قارعة العمر، ومنتدى شعبي على درب الحياة، وهي سجل تاريخ الحارة، تكتنز في جدرانها حكايات شباب الحارة عن أحلامهم وطموحاتهم، وتحتضن في عمقها أسرارهم، وتطرح للمارة من أمامها وجهات نظرهم في كل ما يستجد من أخبار وأحداث في كافة المجالات.

وما رأيته في دكان عزام تراه في كل دكان من دكاكين عنجرة!

وتمسي شوارع عنجرة في الصيف ملاعب للألعاب الشعبية التي يمارسها أطفال عنجرة وشبابها وشاباتها مثل: الحجلة، سبع حجار، جورة دحول، طخ شبر دحول، تنس ريشة، كرة قدم، وأحيانا كرة سلة.

أما سماء عنجرة فتمسي فضاء للطائرات الورقية، ومسرحا للألعاب النارية والاعيرة النارية المنطلقة هنا وهناك فرحا بنتائج التوجيهي أو غبطة بعرس من الأعراس التي تكثر في رحاب الصيف.

ومن نافلة القول الإشارة هنا إلى إن ممارسة هذه الهوايات في هذه الأيام أقل بكثير من سالف الايام وغابرها.

وما أروع "الكزدرة" في شوراع عنجرة إذ ينسل ضوء القمر من ثبج السماء على وقع هدوء شديد يلف أجواء عنجرة بوشاح من الصمت المنسوج من خيوط سكينة دور العبادة في عنجرة.

عنجرة: يا سلام، ولا بالأحلام!

هذا المقال "م. أشرف غسان مقطش على هامش عنجرة (4): فصل الصيف" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (وكالة عمون الاخبارية) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو وكالة عمون الاخبارية.

أخبار ذات صلة

0 تعليق