فرص مصر في ضبط الزيادة السكانية ... خطط تواجه تحديات

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

القاهرة – رحاب عليوة | منذ في 1 يناير 2019 - اخر تحديث في 31 ديسمبر 2018 / 22:07

كثفت الحكومة المصرية في لافتات التوعية بأزمتها السكانية، منطلقة من نطاق محدود حيث معاناة الأسرة نفسها، والمستهدفة بالأساس في ضبط الزيادة السكانية، لتصور اللافتات عائلة لديها خمسة أبناء وأخرى اثنان، وطبيعة المعيشة لدى كل منهما، فبينما يتقاسم الأبناء الخمسة بصعوبة سريراً واحداً، ينام الطفلين على سرير دون عناء، وفي صورة أخرى الأم والأبناء الخمسة يتكدسون داخل توكتوك مقابل الجلوس بأريحية للأم ونجليها في العائلة الصغيرة، واللافتتين تحت عبارة «2 كفاية».


و «2 كفاية» حملة حكومية أطلقتها وزارة التضامن الاجتماعي ضمن خطة واسعة للحد من الزيادة السكانية، والتي تسجل نحو 2.5 مليون نسمة سنوياً بنسبة زيادة 2.5 في المئة، وهي النسبة التي وصفها مسؤولون ومتخصصون بأنها «تلتهم التنمية».

والمصريون هم الشعب الأكثر عدداً في المنطقة العربية، بتعداد تجاوز الـ94.5 مليون نسمة في الداخل أكثر من نصفهم يعيشون في الريف، فيما يتجاوز تعدادهم في الداخل والخارج 100 مليون نسمة، وفق التعداد السكاني الذي أعلن في نهاية أيلول (سبتمبر) من العام 2017، يعيش نحو 30 في المئة منهم «تحت خط الفقر»، واللافت الذي نبهت إليه وزيرة التخطيط الدكتورة هالة السعيد، أن أعداد المصريين مرشحة للقفز حتى 132 مليون نسمة خلال 11 عاماً فقط، إذا استمر النمو السكاني على نفس الوتيرة. وفي ظل محدودية موارد الدولة وارتفاع الأسعار ونسب البطالة والتضخم ...يعني ارتفاع المعاناة، لذا عدت الحكومة قضية «الزيادة السكانية» ضمن «القضايا ذات الأولوية» و»الملحة» في خطتها للتنمية «2030».

ودأب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي التنبيه إلى خطورة الزيادة السكانية، فأشار في منتدى شباب العالم في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إلى تهديد الزيادة السكانية لخطط التنمية، كما سبق ووصفها بالتحدي الذي لا يقل خطراً عن الإرهاب.

وهكذا انطلقت الحكومة في خطتها بحملة «2 كفاية» والتي بدأت لافتاتها تظهر في الطرق، وداخل محطات مترو الأنفاق، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي لكن بنطاق أقل، وداخل البرامج الحوارية، منذ عدة شهور. وتضمنت الحملة أيضاً افتتاح مراكز صحية في القرى والنجوع الأكثر فقراً للتوعية بتنظيم الأسرة وإتاحة الوسائل الطبية لذلك، وكذلك حملات طرق أبواب.

لكن إلى جوار الحملة التوعوية الإعلامية، قفزت الحكومة المصرية من التوعية إلى إجراءات، بقرار أثار جدلاً واسعاً، يدخل حيز التنفيذ بداية العام 2019. والقرار تمثل في ربط الدعم النقدي والمعروف ببرنامج «تكافل وكرامة» بطفلين فقط.

والبرنامج يقدم دعما ماديا للأسر الأكثر احتياجاً وفق عدد الأبناء شريطة أن يستمر الأبناء في تلقي التعليم، وبتطبيق القرار الحكومي الذي أعلنه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، خلال مؤتمر للاحتفال بمرور 3 أعوام على البرنامج «تكافل وكرامة» يقتصر الدعم على طفلين فقط، ويحرم الثالث منه.

وبدأ تنفيذ برنامج «تكافل وكرامة» في آذار (مارس) من العام 2015 بتمويل من الحكومة المصرية وقرض من البنك الدولي، بهدف دعم الأسر تحت خط الفقر، وضمان تحقيق الرعاية الصحية للأمهات والأطفال وتحقيق معدلات أعلى فى التحاق أبناء الأسر الفقيرة بالتعليم.

وهنا يجب الإشارة إلى عدة أمور لفهم الفلسفة الحكومية من القرار، ومؤشراته على فهم خطة مواجهة الزيادة السكانية، والموجهة بالأساس إلى «الفقراء»، فمن جهة الفقراء هم الفئة الأكثر إنجاباً والأقل قدرة على الإنفاق على أبنائها، وفق ما أظهره تعداد العام 2017 إذ تماثلت المحافظات الأعلى كثافة والأكثر فقراً.

ومن هنا كانت فلسفة الحملة «2 كفاية»، والتي لجأت إلى «السرير الواحد» وسيلة المواصلات المنتشرة في العشوائيات والقرى والنجوع «التوكتوك»، ومفردات التقسيم والإنفاق، ولذلك أيضاً وجه القرار إلى «الفقراء» أو مستفيدي برامج تكافل وكرامة، علماً بأن النسب الأعلى من مستفيدي البرنامج وفق منسقة حملة «2 كفاية» راندا فارس، في المحافظات نفسها الأكثر كثافة والأكثر فقراً والتي بدأت الحملة فيها ميدانياً وهي محافظات الوجه القبلي «الجيزة، الفيوم، بني سويف، سوهاج، أسيوط، المنيا، قنا، الأقصر، أسوان» إلى جانب محافظة واحدة من الوجه البحري «البحيرة».

ورغم أن القرار أثار جدلاً عند إعلانه، ورُفض من سياسيين وبرلمانيين مشيرين إلى عدم دستوريته، أرجع مدبولي الخطوة حتى «تتمكن الحكومة من إضافة أُسر جديدة هي في أمس الحاجة إلى الدعم» وقال: من غير العدالة أن تستفيد الأسر الكبيرة من دعم مضاعف وتحرم أسر أخرى من الدعم كلية.

وبالفعل رأت نائبة رئيس المحكمة الدستورية العليا السابقة المستشارة تهاني الجبالي في القرار شبهة عدم دستورية، وأضافت لـ»الحياة»: القرار يصطدم بمنظومة الحماية الاجتماعية وفلسفة برنامج «تكافل وكرامة» الذي انطلق بالأساس لدعم أسر فقيرة قائمة، وعادة ما تتسم هذه الأسر بأرتفاع أعدادها وهو أمر واقع بالفعل لم يقع بعد القرار مثلاً. ولفتت أن القرار يمكن الطعن عليه حال تنفيذه.

وهكذا تضح الأزمة التي تواجهها الحكومة عند القفز من نطاق التوعية إلى النطاق الأعلى حيث الإجراء، فمن جهة يواجهه شبهة قانونية، ومن أخرى رفض مجتمعي، وإنقاذ جزء من العائلات الكبيرة بمنح الدعم لطفلين وحرم آخرين من نفس الأسرة ما يعرضهم للتسريب من التعليم والعمل المبكر وهي أمور منتشرة بالفعل في المجتمع المصري، ومن ثم فهو في أفضل الحالات (إضافة أسر جديدة) يعالج جزءا بسيطا من المشكلة، في المقابل ثمة مشاكل أخرى قد تنتج عن المعالجة تلك.

وبالتالي، فإذا كان القرار يلقى تلك التحديات، ففرص الحكومة في سن تشريعات للحد من النسل ضمن برنامجها لضبط الزيادة السكانية تتراجع، وكان مقترح سن قوانين لإلزام الأسر بإنجاب عدد معين أو حرم الطفل الثالث من كافة أشكال الدعم أثير في مصر الفترة الماضية، وبعضه بمقترحات قوانين، لكنها لم تجن سوى الجدل والرفض. ورأت المستشارة الجبالي صعوبة ذلك، وأوضحت: أي تشريع للمنع يصعب صدوره، لكن في المقابل يمكن أن تُسن تشريعات بحوافز للأسر الصغيرة، كحوافز في التعليم أو الصحة أو غيرها.

وفيما حذر البعض من تطبيق القرار، دعمه آخرون من بينهم الجهاز القومي للإسكان، إذ رأى مقرر المجلس الدكتور عمرو حسن في مداخلة متلفزة في أعقاب الإفصاح عن القرار أنه «قوي وجريء»، وتابع: كافة الدول التي كانت تواجه أزمة الزيادة السكانية اتخذت حزمة من الإجراءات لمواجهتها، من بينها تقديم حوافز إيجابية لمن ينجب طفلين فقط. ولفت إلى أن كافة البلدان التى بدأت معنا في هذا الملف انتهت منه خلال 15 عاماً، لافتًا إلى معدل الإنجاب في مصر كان يتناقص بشكل تدريجي نتيجة توظيف سلاح الإعلام في مواجهة الزيادة السكانية، قائلاً: حققنا أفضل معدل لانخفاض الزيادة السكانية في العام 2008، إلا أنه عقب ثورة 2011 وتجاهل الإعلام الحديث عن الأزمة السكانية، حدث ردة نحو 14 عاماً في معدل الإنجاب، وعاد ليتزايد مرة أخرى.

الإعلام

والحملة التي يشير إليها حسن أطلقتها زوجة الرئيس السابق حسني مبارك تحت اسم «تنظيم الأسرة» عمدت فقط على الإعلام بحملات ضخمة شارك فيها مشاهير الفنانين وأقربهم إلى الأسرة، كالفنانة كريمة مختار التي ارتبطت في السينما بدور «الأم»، وكذلك المغنية الشعبية فاطمة عيد وأغنيتها الشهيرة «حسنين ومحمدين» التي تروي قصة شابين من صعيد مصر، حيث ظهرا يمارسان لعبة التحطيب، ترصد تبدل حال الأسرة مع كثرة الإنجاب والذي يمثله «حسنين» مقابل النموذج الآخر «محمدين». واستطاعت تلك الأغنية تحقيق انتشار واسع وتحقيق تأثير بطرق لا تعمد إلى التوجيه المباشر أو الإلزام.

«2 كفاية» التي انطلقت قبل شهور، لا يمكن الحكم من خلالها فقط أو توقع مدى كفاءة الحملة الإعلامية لخطة تنظيم النسل وتأثيرها، خصوصاً أنها لازالت في مراحلها التمهيدية، ولم تنطلق على نحو واسع في التلفاز. لكن بفرض أن الحملة انتشرت وتكثفت في الفترة الماضية، وفي ظل المضمون الذي تعتمد عليه حيث «الفقر» «كفاية» «تقسمها» ... هل استطاعت بذلك أن تغطي كافة جوانب المشكلة؟

جهاد محمد (26 عاماً) هي أم لنجلين «6 سنوات» و «5 سنوات» وتستعد لاستقبال نجلتها الثالثة والتي يفترض أن تضعها في غضون شهور قليلة، جهاد حاصلة على شهادة متوسطة، تقطن في إحدى الضواحي الشعبية في محافظة الجيزة، ولا تعمل، فيما يملك زوجها مطعماً في الضاحية نفسها التي يسكناها، ويحتدر من إحدى محافظات الصعيد.

رأت محمد حملة «2 كفاية» معلقة في لافتة ضخمة على أحد الكباري، قرأتها بتفحص، لكن عند سؤالها عن مضمونها ومدى تأثيرها فيها أجابت بسخرية «لدي أكثر من سرير»، مشيرة إلى أنها رغبت في الإنجاب للمرة الثالثة لرغبتها في إنجاب فتاة، وإذا لم ترزق بها تلك المرة، لربما كررت الحمل رغبة في جنس المولودة.

والأمر الذي أشارت إليه الشابة هو أحد أبرز أسباب زيادة معدلات الإنجاب في مصر، وهي الرغبة في جنس معين للمولود، خصوصاً «الذكور» إذ تظل المرأة تنجب لحين إنجاب الذكر وقد يصل العدد إلى 6 أبناء، خصوصاً في الريف، وسط استمرار الثقافة السائدة بتفضيل الإناث على الذكور. وهذا الأمر لم تتطرق إليه الحملة «2 كفاية».

وعند سؤالها عن تحديات تربية أبنائها في ظل ارتفاع الأسعار خصوصاً ولماذا لم تفكر في تنظيم الأسرة من ذلك المنطلق ردت: أليس ذلك مخالفاً للشرع؟

وكان مفتي مصر الدكتور شوقي علام فصل في تصريحات صحافية جواز تنظيم الأسرة قائلاً: تحديد النسل جائز شرعا، فيجوز للزوجين أن يلتمسا وسيلة من الوسائل المشروعة لتنظيم عملية الإنجاب بصورة تناسب ظروفهما، ولا ينطبق على هذه الوسائل التحذير من قتل الأولاد خشية الإملاق لأنهم لم يتكونوا بعد. وأضاف أن رأي الدين يدعو دائماً للتوازن بين عدد السكان وتحقيق التنمية، حتى لا تؤدى كثرة السكان إلى الفقر.

والمعتقدات الدينية الخاطئة الراسخة أحد أبرز العقبات في طريق «تنظيم النسل»، لمواجهة الكثافة السكانية. ويشير الأمين العام للائتلاف المصري لحقوق الطفل هاني هلال لـ «الحياة» إلى أدوار لبعض رجال الدين ممن يعتقدون في تلك الأفكار، ويقومون بترسيخها لدى الناس، مشدداً على ضرورة العناية بتلك الأمر من قبل المؤسسات الدينية، بداية من خلال توعية الأئمة والوعاظ ثم يقوم هؤلاء بدور في توعية الجمهور لما لهم من تأثير.

والحكومة من جانبها تؤكد تضافر كافة الجهات والمؤسسات الرسمية في الحملة، وإتاحة خدماتها بالمجان، وحملات مكثفة لطرق الأبواب والتحاور مع الناس مباشرة، فضلاً عن الحملات الإعلامية، كما أعلنت وزارة الأوقاف عن تنظيمها دورات تثقيفية في المحافظات للتوعية بالقضية.

وتبقى قضية «النسل» مشكلة تواجه الحكومة، ويبدو أن تحدياتها لازالت صاحبة الغلبة على فرص التنظيم، والتي تحتاج إلى وعي وعمل على مدار سنوات.


هذا المقال "فرص مصر في ضبط الزيادة السكانية ... خطط تواجه تحديات" مقتبس بواسطة موقع بلد نيوز وقمنا بإقتباسة من موقع (الحياة) ,ولا يعبر عن سياسة الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل من الأشكال ,وأنما تقع المسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر الأصلى وهو الحياة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق