قالت الإذاعة الوطنية النيجيرية ” صوت نيجيريا ” إن زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى مصر تحمل دلالات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين وتمد جسور الأمل لبلدان القارة الإفريقية.
مصر جسر إنمائي للقارة الإفريقية
وجاء في تقرير مطول بثته ” صوت نيجيريا ” أن مصر بما تمتلكه من مقومات اقتصادية وبشرية وحضارية وما تنعم به من استقرار ورؤيه طموحة للتنمية مؤهلة لأن تكون الجسر الإنمائي للقارة الإفريقيه لتوطين الصناعه ونقل التكنولوجيا في وقت تسعى فيه الصين إلى تعميق شراكاتها مع القارة الإفريقية ودول الجنوب العالمي.
وأشادت الإذاعة النيجيرية بالتعاون المتفاعل بين مصر ونيجيريا التي تعد أكثر بلدان القارة الإفريقية جنوب الصحراء ثراء بالموارد وبالقوة البشرية وبالتنوع السكاني بينما تبرز مصر باعتبارها إحدى أهم نقاط الارتكاز لهذه العلاقات الإفريقية البينية والإفريقية الدولية بما تمتلكه من ثقل تاريخي وحضاري وموقع استراتيجي يربط بين إفريقيا وآسيا.
وأكد التقرير أن زيارة الرئيس الصيني للقاهرة يمكن أن تمنح دفعة جديدة للعلاقات المصرية الصينية حيث التعاون الثقافي والروابط الحضارية في صدارة أجندة أوسع تشمل العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
جولة الرئيس الصيني في الأقصر عام 2016
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة باعتبارها الزيارة الرسمية الثانية للرئيس الصيني إلى مصر، بعد زيارته الأولى في عام 2016 والتي عكست منذ بدايتها تقديرًا صينيًا خاصًا للحضارة المصرية القديمة وروابطها التاريخية مع الحضارة الصينية.
وأعاد التقرير إلى الأذهان فحوى زيارة الرئيس شي الأولى إلى مصر؛ حيث اصطحب الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصيني في جولة بمدينة الأقصر، حيث زارا عددًا من المواقع الأثرية على ضفاف نهر النيل، وتبادلا الحديث حول التاريخ المشترك للحضارتين المصرية والصينية.
وفي مقال وقعه قبيل زيارته عام 2016، عبّر شي عن إعجابه بنهر النيل، باعتباره مهد الحضارة المصرية، كما أشاد بحكمة الشعب المصري وقوته، في تعبير عكس عمق البعد الحضاري الذي يحظى به تاريخ مصر في الرؤية الصينية.
وذكر تقرير الإذاعة النيجيرية أن الروابط بين الصين ومصر لم تبدأ مع العلاقات الدبلوماسية الحديثة، إذ تعود جذور الاتصال بين الحضارتين إلى أكثر من ألفي عام، عبر طرق التجارة القديمة التي ربطت بين الشرق والغرب، وأسهمت في انتقال السلع والمعارف والأفكار.. ومع مرور الزمن، تطورت هذه الروابط التاريخية إلى تعاون ثقافي متنامٍ، شمل تعليم اللغة الصينية في مصر، ومشروعات التنقيب الأثري المشتركة، وتنظيم معارض كبرى للآثار المصرية في الصين.
معرض الآثار المصرية في متحف شنغهاي
ومن أبرز هذه الفعاليات معرض للقطع الأثرية المصرية القديمة أقيم في متحف شنغهاي واستمر لمدة 13 شهرًا قبل اختتامه في أغسطس 2025، واستقطب نحو 2.77 مليون زائر، بحسب التقرير الذي أكد أن الإقبال الكبير على المعرض عكس الاهتمام الذي تحظى به الحضارة المصرية في الصين، كما يبرز قدرة الثقافة والتراث على فتح قنوات للتواصل الشعبي تتجاوز الأطر الرسمية للعلاقات بين الدول.
ثم تحول الاهتمام المتبادل بالحضارتين إلى مشروعات بحثية مشتركة، كان من أبرزها إطلاق أول بعثة أثرية مشتركة بين مصر والصين في عام 2018، فيما أسفر التعاون الأثري عن عدد من الاكتشافات المهمة، من بينها الكشف عن بحيرة مقدسة لم تكن معروفة من قبل في منطقة معبد مونتو بمدينة الأقصر.
ونقل “صوت نيجيريا” عن محمد عبد البديع أحد مسؤولي الآثار المصريين، قوله إن هذه الاكتشافات أظهرت كيف يمكن للثقافة والتاريخ أن يتحدثا “بلغة مشتركة”.. وأضاف أن أهمية هذا التعاون لا تقتصر على القيمة العلمية للاكتشافات الأثرية، بل تمثل المشروعات المشتركة نموذجًا لكيفية تحويل التراث إلى مساحة للحوار بين الشعوب، وبناء جسور للتفاهم بين ثقافتين تمتدان بجذورهما إلى آلاف السنين.
وأضاف التقرير أن الزيارة المرتقبة تأتي في عام تحتفل فيه مصر والصين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، هي مناسبة أكد خلالها الرئيسان شي جين بينج وعبد الفتاح السيسي أهمية مواصلة تعميق التعاون في مجالات السلام والتنمية والقضايا الدولية.
وخلال العقود السبعة الماضية، انتقلت العلاقات بين البلدين من إقامة العلاقات الدبلوماسية إلى شراكة واسعة تشمل مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتعليم والثقافة.
وتضيف الروابط الحضارية والثقافية بعدًا آخر لهذه الشراكة، إذ توفر قاعدة من التفاهم المتبادل يمكن البناء عليها في تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية.
كذلك، أكد التقرير أن الزيارة تكتسب أهمية في سياق الانخراط الصيني الأوسع في إفريقيا، حيث تمثل مصر بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها الممتدة داخل القارة حلقة وصل طبيعية بين الصين وإفريقيا.
ولا تقتصر أهمية القاهرة بالنسبة لبكين على موقعها في شمال إفريقيا، وإنما تمتد إلى دورها في ملفات إقليمية ودولية متعددة، فضلًا عن ثقلها الحضاري وتأثيرها الثقافي في العالم العربي والإفريقي.. ومن هذا المنظور، فإن تعزيز العلاقات مع مصر يمنح الصين مساحة أوسع لتعميق التواصل مع القارة الإفريقية، ليس فقط من خلال التجارة والاستثمار ومشروعات البنية التحتية، ولكن أيضًا عبر الثقافة والتعليم والتبادل الشعبي.
وتشير تجربة التعاون الأثري والتعليم الثقافي إلى أن العلاقات بين الصين وإفريقيا يمكن أن تتطور على أساس أوسع من المصالح الاقتصادية لتشمل تبادل الخبرات والمعارف وتعزيز التفاهم بين الشعوب.. حسب التقرير.
كذلك، تأتي الزيارة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، حيث تبرز الحاجة إلى تعزيز الحوار والتفاهم بين الحضارات والثقافات المختلفة.
وفي هذا السياق، يستعيد التقرير رؤية الرئيس الصيني بشأن أهمية احترام الحضارات المختلفة والتعايش بينها، وتحويل التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات إلى جسر للصداقة بين شعوب العالم ومحرك للتقدم الإنساني وداعم للسلام العالمي.
وتابع التقرير : أن هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة في ضوء الدور الذي تلعبه مصر تاريخيًا كملتقى للحضارات والثقافات، وهو ما يجعل التعاون الثقافي المصري الصيني عنصرًا يمكن أن يتجاوز العلاقات الثنائية ليخدم حوارًا أوسع بين الحضارات.
ومن المتوقع أن تمنح زيارة شي جين بينج دفعة جديدة للعلاقات المصرية الصينية، في الوقت الذي تواصل فيه بكين توسيع شراكاتها مع إفريقيا ودول الجنوب العالمي. غير أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في الاتفاقات السياسية والاقتصادية التي قد تنتج عنها، وإنما أيضًا في قدرتها على تسليط الضوء على نموذج مختلف للعلاقات الدولية، يقوم على الاستفادة من التاريخ والثقافة كوسيلة لتعزيز التفاهم وبناء الثقة بين الشعوب.
وبالنسبة لمصر والصين، أوضح التقرير أن إرثًا يمتد لأكثر من ألفي عام من التواصل الحضاري، إلى جانب سبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية الحديثة، يمكن أن يوفر قاعدة فريدة يمكن البناء عليها لتطوير شراكة تتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة إلى التعاون في الثقافة والتعليم والبحث العلمي، وتعزيز الحوار بين الحضارات.
واعتبرت الإذاعة النيجيرية أنه من هنا يمكن أن تشكل الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى القاهرة محطة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، وفي الوقت نفسه تعزز موقع مصر كجسر ثقافي واستراتيجي بين الصين وإفريقيا والعالم العربي والجنوب العالمي.