عبدالجواد أحمد يكتب: فى مواجهة عواصف الجيوسياسة.. السياحة هي الحل والخروج الآمن من الأزمة الاقتصادية


لا يمكن قراءة الواقع الاقتصادي المصري الراهن بمعزل عن محيط جيوسياسي بالغ التعقيد والاضطراب، فمصر تقف اليوم في قلب منطقة تعصف بها أزمات متشابكة، تمتد تداعياتها من أسعار الطاقة والغذاء إلى حركة التجارة والاستثمار والسياحة.


فمن تداعيات الحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي أثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة على أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، إلى الاضطرابات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة وممرات التجارة والملاحة الدولية، وصولًا إلى الصراعات والتوترات المسلحة المحيطة بالحدود المصرية في أكثر من اتجاه، أصبحت الضغوط الخارجية عنصرًا مؤثرًا في المشهد الاقتصادي الداخلي.


هذه التطورات تفرض تحديات متزايدة على الاقتصاد المصري، وتضع الدولة أمام معركة مستمرة للحفاظ على موارد النقد الأجنبي، والسيطرة على الضغوط التضخمية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.


وفي ظل هذا المشهد شديد التعقيد، يبرز السؤال الأهم:


كيف يمكن لمصر أن تعبر هذه المرحلة بأمان، وأن تحول التحديات المحيطة بها إلى فرص حقيقية للنمو؟


الإجابة تضعنا أمام قطاع يمتلك مصر فيه مقومات استثنائية لا تتوافر لكثير من دول العالم:


السياحة.


السياحة.. أكثر من مجرد قطاع خدمي


السياحة ليست نشاطًا ترفيهيًا أو قطاعًا خدميًا هامشيًا، وإنما أحد أهم القطاعات القادرة على ضخ النقد الأجنبي وتحريك عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية في وقت واحد.


فالسائح عندما يأتي إلى مصر لا ينفق أمواله في الفندق فقط؛ وإنما يستخدم الطيران والنقل والمطاعم والمحال التجارية والمزارات الأثرية والترفيهية، ويشتري المنتجات والحرف والهدايا، ويستفيد من عشرات الخدمات التي تدور جميعها في عجلة الاقتصاد.


وهنا تكمن أهمية السياحة: الدولار السياحي لا يدخل قطاعًا واحدًا، وإنما يتحرك داخل قطاعات اقتصادية متعددة.


كما أن السياحة تتميز بقدرتها على خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحريك قطاعات واسعة تبدأ من الطيران والنقل والفنادق والمطاعم، ولا تنتهي عند الصناعات الغذائية والحرف اليدوية والتجارة والخدمات والإنشاءات.


ومن ثم، فإن الاستثمار في السياحة ليس استثمارًا في الفنادق والشواطئ فقط، وإنما استثمار في الاقتصاد المصري بأكمله.


المعركة ليست مع عدد السائحين فقط


لكن إذا كانت مصر تريد أن تجعل السياحة أحد أهم روافد الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة، فعلينا أن نطرح السؤال بصورة مختلفة.


ليس المهم فقط:


كم سائحًا سيزور مصر؟


وإنما أيضًا:


كم سينفق؟ وكم ليلة سيقيم؟ وما حجم العائد الذي سيتركه داخل الاقتصاد المصري؟ وهل سيعود مرة أخرى؟


هذه هي المعادلة التي يجب أن نركز عليها.


فالهدف ليس مجرد زيادة أعداد السائحين، وإنما زيادة العائد السياحي من خلال تحسين جودة المنتج، وإطالة مدة الإقامة، وتنويع الأنماط السياحية، وجذب شرائح قادرة على الإنفاق، وتحويل السائح إلى سفير للمقصد المصري عندما يعود إلى بلاده.


مصر تمتلك ما يبحث عنه العالم


مصر لا تبدأ من الصفر.


لدينا الأهرامات، والنيل، والمعابد، والمقابر الأثرية، والمتاحف، والبحر الأحمر، وسيناء، والسواحل، والمدن التاريخية، فضلًا عن تنوع ثقافي وحضاري يمتد لآلاف السنين.


لكن امتلاك المقومات وحده لا يكفي.


المنافسة السياحية العالمية أصبحت أكثر شراسة، والسائح اليوم يبحث عن التجربة وليس المكان فقط.


ومن هنا يجب أن تنتقل مصر من مجرد بيع المقصد السياحي إلى بيع التجربة المصرية الكاملة.


أفكار خارج الصندوق


لماذا لا نعمل على تصميم برامج سياحية تجعل السائح القادم إلى القاهرة ينتقل بسهولة إلى الأقصر وأسوان أو البحر الأحمر أو سيناء، بدلًا من أن يقضي رحلته في مقصد واحد؟


ولماذا لا نطرح برامج تحمل أفكارًا مبتكرة مثل:


«مصر في 7 أيام»

أو

«مصر.. رحلة واحدة لا تكفي»؟


ولماذا لا يتم تصميم باقات تجمع بين السياحة الثقافية والشاطئية والترفيهية والبيئية، بحيث يستطيع السائح أن يعيش أكثر من تجربة خلال الزيارة نفسها؟


ولماذا لا يتم التوسع بصورة أكبر في سياحة المؤتمرات والمعارض والفعاليات الرياضية والثقافية والفنية، وهي أنماط قادرة على جذب زائر ذي إنفاق مرتفع وإقامة أطول؟


ولماذا لا نستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تقديم تجربة سياحية أكثر سهولة، بداية من التخطيط للرحلة وحجز الخدمات، وصولًا إلى استخدام التطبيقات والمرشدين الرقميين داخل المناطق الأثرية؟


الأهم من ذلك كله هو أن نخلق منتجًا سياحيًا يعمل طوال العام، وليس فقط خلال مواسم محددة.


المسؤولية ليست مسؤولية الحكومة وحدها


تحويل السياحة إلى قاطرة للاقتصاد المصري مسؤولية مشتركة.


الدولة والحكومة مطالبتان باستمرار الاستثمار في البنية الأساسية، وتطوير المطارات والطرق والمناطق السياحية، وتسهيل إجراءات الدخول والتأشيرات، وتوفير بيئة تشريعية واستثمارية جاذبة، مع الحفاظ على أعلى درجات الأمن والاستقرار.


القطاع الخاص عليه مسؤولية رفع مستوى الخدمة، والاهتمام بالتدريب، وتطوير المنتج السياحي، والابتكار في التسويق، والابتعاد عن الممارسات الفردية التي قد تضر بصورة المقصد المصري.


الإعلام أيضًا لديه دور بالغ الأهمية؛ فمصر لا تحتاج فقط إلى حملات إعلانية تقليدية، وإنما تحتاج إلى رواية إعلامية حديثة تروي للعالم قصة مصر بصورة جذابة ومختلفة، وتستفيد من قوة وسائل التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى.


أما المجتمع المدني، فعليه دور في نشر الوعي البيئي والثقافي، والحفاظ على المناطق السياحية والأثرية، والمشاركة في تأهيل وتدريب الشباب للعمل في القطاع.


ويبقى المواطن المصري هو الواجهة الحقيقية لمصر.


فالابتسامة، وحسن التعامل، واحترام السائح، والحفاظ على نظافة الأماكن العامة، وعدم استغلال الزائر أو مضايقته، كلها تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها في النهاية تصنع تجربة كاملة قد تحدد ما إذا كان السائح سيعود إلى مصر مرة أخرى أم لا.


السياحة.. فرصة وليست مجرد مورد


الأزمات الجيوسياسية الحالية لا تمنح مصر رفاهية التفكير التقليدي.


نحن بحاجة إلى أفكار جديدة، وسرعة في التنفيذ، وتسويق مختلف، ومنتج سياحي أكثر تنوعًا، وربط حقيقي بين السياحة وبقية قطاعات الاقتصاد.


فكل سائح جديد يعني حركة في الطيران، والفنادق، والمطاعم، والنقل، والتجارة، والصناعات الغذائية، والحرف اليدوية والخدمات.


وكل ليلة إضافية يقضيها السائح في مصر تعني إنفاقًا إضافيًا داخل الاقتصاد.


وكل تجربة إيجابية يعيشها الزائر قد تتحول إلى دعاية مجانية لمصر في بلده.


لهذا فإن السياحة ليست مجرد قطاع ينتظر الدعم، وإنما قطاع يمكن أن يقود التعافي إذا أحسنا استغلال إمكاناته.


الخروج الآمن


في عالم تمزقه الحروب والصراعات وتضطرب فيه أسواق الطاقة والتجارة والعملات، تحتاج مصر إلى مصادر قوة تمتلكها بالفعل، وليس إلى انتظار ظروف عالمية مثالية قد لا تأتي.


والسياحة واحدة من أهم هذه المصادر.


مصر تمتلك التاريخ والحضارة والمناخ والشواطئ والمقومات الطبيعية والثقافية، وتمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا، وما تحتاجه الآن هو تحويل هذه المقومات إلى قوة اقتصادية مستدامة.


قد لا تستطيع مصر أن تمنع الحروب من حولها، ولا أن تتحكم في أسعار النفط أو حركة الاقتصاد العالمي، لكنها تستطيع أن تتحكم في جودة منتجها السياحي، وسهولة وصول السائح إليها، وحجم إنفاقه، وطول مدة إقامته، وتجربته منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته.


وفي النهاية، قد تكون السياحة هي واحدة من أقصر الطرق وأكثرها أمانًا لزيادة موارد النقد الأجنبي وتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل.


لكن نجاح هذا الرهان لن يتحقق بالشعارات وحدها.


إنه يحتاج إلى دولة تخطط، وقطاع خاص يبتكر، وإعلام يروّج، ومواطن يدرك أن كل سائح يأتي إلى مصر ليس مجرد زائر، وإنما فرصة اقتصادية ورسالة عن مصر يحملها معه إلى العالم.


وفي مواجهة عواصف الجيوسياسة، ربما تكون المعادلة الأوضح هي:


نحن لا نستطيع أن نتحكم في العاصفة.. لكننا نستطيع أن نُحسن استغلال ما نملكه لعبورها.


والسياحة.. واحدة من أهم أدوات مصر لعبور هذه العاصفة.


 


رئيس المجلس العربي لحقوق الإنسان


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *