س و ج .. كل ما تحتاج معرفته عن أزمة رسوم البليت وتأثيرها على صناعة الحديد


تستند رسوم الحماية على خام البليت “أحد مكونات صناعة الحديد”، إلى أسس وتحليلات علمية تضمن توازن السوق ودعم الصناعة الوطنية دون تحيز، حيث تقف الدولة على مسافة واحدة من كافة الأطراف، وتخضع هذه الرسوم لمراجعة ربع سنوية بناءً على مؤشرات السوق الفعلية لتحقيق التكافؤ بين المصانع المتكاملة ومصانع الدرفلة، وتهدف هذه السياسات، عبر التنسيق بين الجهات المعنية، إلى ضمان استقرار السوق وتوافر الخامات بأسعار عادلة، تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتوطين الصناعات المغذية لتقوية سلاسل الإمداد وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية.


وفي سبتمبر من العام الماضي، فرضت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، رسوم إغراق مؤقتة على واردات خام البيليت لمدة 200 يوم، بنسبة 16.2% أو بحد أدنى 4613 جنيهاً للطن، وبعد انتهاء هذه المدة فرضت الوزارة في مستهل شهر أبريل الماضى، رسوماً وقائية نهائية على واردات البيليت بنسبة 13% متناقصة، لمدة 3 سنوات،  حيث تطبق رسوماً وقائية نسبتها 13.12% بحد أدنى 70 دولاراً للطن، خلال العام الأول للقرار خلال الفترة من أبريل  إلى سبتمبر 2026.


ووفق القرار الوزاري تنخفض الرسوم إلى 12%، بحد أدنى 64 دولاراً للطن في العام الثاني في الفترة من سبتمبر 2026 إلى سبتمبر 2027، أما العام الثالث  وخلال الفترة من سبتمبر 2027 إلى سبتمبر 2028 تنخفض الرسوم إلى 11%، بحد أدنى 59 دولاراً للطن، على أن يتم مراجعة أثر فرض التدابير الوقائية بشكل ربع سنوي.


من جانبه يرى الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن هناك تقديرات متداولة تشير إلى وجود نحو 22 مصنع درفلة تتأثر بصورة مباشرة بالقرار، في الوقت الذي تستحوذ فيه المصانع المتكاملة الكبرى على الجزء الأكبر من إنتاج الحديد بالسوق المصرية، وتقدر بعض بيانات السوق حصتها بنحو 80% مقابل نحو 20% لمصانع الدرفلة، وعليه لا يمكن اختزال الأمر في سؤال بسيط حول إلغاء الرسوم أو استمرارها، وإنما يجب طرح سؤالًا أكثر أهمية، وهو كيف تحمي الدولة صناعة البليت المحلية دون أن تتحول هذه الحماية إلى تكلفة تتحملها صناعة أخرى محلية تستخدم البليت نفسه كمدخل إنتاج؟.


 


ما هو البليت ولماذا يمثل جوهر الأزمة؟


أوضح “الجوهرى”، أن البليت هو منتج وسيط من الصلب، يأخذ عادة شكل كتل أو مربعات معدنية طويلة، ويتم تسخينه وإعادة تشكيله داخل مصانع الدرفلة لإنتاج حديد التسليح وغيره من المنتجات، وهنا يظهر الفارق الأساسي بين نوعين من مصانع الحديد، النوع الأول هو المصانع المتكاملة التي تمتلك سلسلة إنتاج أوسع وتستطيع إنتاج البليت ثم درفلته وتحويله إلى حديد تسليح، أما النوع الثاني فهو مصانع الدرفلة التي لا تنتج البليت بالضرورة، وإنما تشتريه محليًا أو تستورده ثم تقوم بدرفلته لإنتاج الحديد النهائي، وتابع:”ومن هنا فإن سعر البليت بالنسبة لمصنع الدرفلة ليس عنصرًا هامشيًا، وإنما يمثل أحد أهم مكونات تكلفة إنتاج طن الحديد، وبالتالي فإن فرض رسم على البليت المستورد يرفع التكلفة المباشرة على مصنع الدرفلة، إلا إذا استطاع الحصول على البليت المحلي بالكميات والأسعار المناسبة”.


وأكد “الجوهرى”، أن السوق المصرية شهدت زيادة كبيرة في واردات البليت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دفع المنتجين المحليين إلى الشكوى من تعرض الصناعة لأضرار نتيجة الزيادة في الواردات، وبحسب البيانات التي استندت إليها إجراءات الحماية التجارية، ارتفعت واردات البليت بصورة حادة خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، وتشير البيانات المنشورة بشأن التحقيق إلى زيادة الواردات بنسب كبيرة، بينما أظهرت بيانات رسمية وتقارير مرتبطة بقرار الحماية تراجع مبيعات الصناعة المحلية بنحو 22% خلال 2024، بالتزامن مع تراجع أرباح المنتجين المحليين بنحو 56%، مردفاً:”وهذه أرقام مهمة للغاية لأنها تمثل جوهر الحجة التي يستند إليها مؤيدو الرسوم ، فمن وجهة نظرهم، لا تستطيع الدولة مطالبة المستثمر المحلي بضخ مليارات الجنيهات في إنشاء مصانع لإنتاج البليت، ثم ترك السوق مفتوحة أمام واردات ضخمة تستطيع منافسة الإنتاج المحلي سعريًا بما يهدد استمراره.


 


من الرسوم المؤقتة إلى الحماية النهائية؟


ولفت الخبير الاقتصادى، إلى التشابك بشأن البليت بدأ بصورة أكثر وضوحًا مع فرض تدابير وقائية مؤقتة على واردات البليت خلال سبتمبر 2025، ثم صدر القرار النهائي في أبريل 2026 بفرض تدابير وقائية على الواردات، وبموجب النظام النهائي، بدأت الرسوم خلال الفترة الأولى بنسبة تصل إلى 13% من قيمة البليت المستورد، وبحد أدنى يبلغ نحو 70 دولارًا للطن، ولا تتوقف السياسة عند هذه النسبة، وإنما تتجه إلى التخفيض التدريجي للرسوم على مدار مدة تطبيق الإجراء، فمن المقرر أن تنخفض النسبة في المرحلة التالية إلى 12% وبحد أدنى 64 دولارًا للطن، ثم إلى 11% في المرحلة اللاحقة حتى انتهاء فترة الحماية المقررة في سبتمبر 2028، مشدداً على أن الفلسفة الاقتصادية لهذا النوع من الإجراءات تقوم على منح الصناعة المحلية فترة زمنية تستطيع خلالها استعادة قدرتها على المنافسة وزيادة الإنتاج والاستثمار، على أن تتراجع الحماية تدريجيًا بدلًا من تحولها إلى حماية دائمة.


 


أين تكمن مشكلة مصانع الدرفلة؟


وأكمل “الجوهرى”، المشكلة بالنسبة لمصانع الدرفلة مختلفة تمامًا، فمصنع الدرفلة يحتاج البليت لكي يعمل، وإذا لم يجد البليت المحلي بالكميات المطلوبة والسعر التنافسي، فإنه يلجأ إلى الاستيراد، وعندما يخضع البليت المستورد لرسم يصل إلى 13% أو حد أدنى 70 دولارًا للطن، فإن تكلفة المادة الخام ترتفع مباشرة، وتابع:” ولنفترض بصورة حسابية مبسطة أن طن البليت المستورد تبلغ قيمته 500 دولار قبل الرسوم، ومع رسم بنسبة 13% يعني إضافة نحو 65 دولارًا، وبسبب وجود حد أدنى للرسم يبلغ 70 دولارًا للطن، تصبح الزيادة في هذه الحالة 70 دولارًا وليس 65 دولارًا، أي أن تكلفة البليت ترتفع إلى نحو 570 دولارًا قبل إضافة تكاليف أخرى مرتبطة بالنقل والتمويل والتخليص والتشغيل، وإذا كان السعر 550 دولارًا للطن فإن 13% تعادل نحو 71.5 دولار، وإذا كان السعر 600 دولار فإن الرسم يصل إلى نحو 78 دولارًا للطن، هذه الزيادة ليست صغيرة في صناعة تعتمد على هوامش ربح وتنافس سعري شديد الحساسية.


 


لماذا يتحدث أصحاب المصانع عن خطر يتهددهم؟


ولفت إلى أن مصنع الدرفلة الذي يستورد البليت يدفع السعر العالمي بالإضافة إلى تكلفة الشحن والتأمين والتمويل ورسوم الحماية وتكاليف التشغيل المحلية، وفي المقابل ينافس في المنتج النهائي مصنعًا متكاملًا ينتج البليت داخليًا ويستخدمه داخل سلسلة إنتاج واحدة، إذا اتسعت الفجوة بين تكلفة الطرفين بدرجة كبيرة فإن مصنع الدرفلة يفقد القدرة على المنافسة، وإذا رفع سعر حديد التسليح لتعويض التكلفة، قد يفقد عملاءه، وإذا حافظ على السعر، قد يبيع بهامش شديد الانخفاض أو بخسارة، وإذا لم يجد البليت المحلي أصلًا بالكميات المناسبة، فقد يتوقف خط الإنتاج، وتابع:” وهذا ما يفسر إعلان عدد من مصانع الدرفلة وجود أزمة لديهم أو خفض الإنتاج.


 


حجة المصانع المتكاملة.. لماذا ندفع مليارات ثم نستورد؟


وأضاف “الجوهرى”، أنه على الجانب الآخر توجد نظرة اقتصادية لا يمكن تجاهلها، تتمثل في أن إنتاج البليت صناعة رأسمالية كثيفة تحتاج إلى استثمارات ضخمة وطاقة وتمويل وتكنولوجيا وبنية تحتية، وإذا كان المنتج المستورد يدخل السوق بكميات ضخمة وبأسعار تجعل المنتج المحلي غير قادر على بيع إنتاجه، فقد تتراجع الاستثمارات في إنتاج البليت، وتصبح مصر أكثر اعتمادًا على الاستيراد، وقد شهدت الواردات بالفعل زيادة حادة، بينما تراجعت المبيعات المحلية والأرباح، ومن هنا ترى المصانع المتكاملة أن الرسوم ليست امتيازًا لها، وإنما أداة لحماية استثمارات صناعية ضخمة والحفاظ على حلقات الإنتاج المحلية وتقليل استنزاف العملة الأجنبية، وتابع:”وهذه الحجة تكتسب أهمية إضافية في اقتصاد يسعى إلى خفض فاتورة الاستيراد وزيادة المكون المحلي”.


وطرح الخبير الاقتصادى سؤالاً “هل الحماية تتحول إلى احتكار؟”، وعقب قائلاً:” هذا هو الجانب الآخر من المعادلة لأن الحماية التجارية تصبح مفيدة عندما تمنح الصناعة المحلية فرصة للنمو وزيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة، لكنها تصبح خطرة إذا أدت إلى تقليص عدد المنافسين أو زيادة قدرة مجموعة محدودة من الشركات على التحكم في المعروض والأسعار، وتشير تقديرات منشورة في السوق إلى أن المصانع المتكاملة تستحوذ على نحو 80% من سوق الحديد، بينما تمثل مصانع الدرفلة النسبة المتبقية تقريبًا، وبالتالي فإن خروج عدد كبير من مصانع الدرفلة من السوق قد يؤدي نظريًا إلى زيادة درجة التركز”.


وأكمل :” والمشكلة هنا ليست في وجود شركات كبيرة، فالصناعات الثقيلة بطبيعتها تحتاج إلى كيانات ضخمة، وإنما في ضمان استمرار المنافسة وعدم تحول الحماية الجمركية إلى حاجز يمنع شريحة من المنتجين المحليين من المنافسة”.


 


هل توجد فجوة حقيقية في إنتاج البليت؟


وأكد “الجوهرى”، أن التحرك الحكومي الأخير يقدم مؤشرًا شديد الأهمية ففي أغسطس 2026 أعلنت الهيئة العامة للتنمية الصناعية طرح 8 رخص جديدة لإنتاج البليت بطاقة إجمالية 2.8 مليون طن سنويًا، حيث تتوزع الرخص على 4 رخص بطاقة 500 ألف طن سنويًا لكل رخصة، بإجمالي مليوني طن، و4 رخص بطاقة 200 ألف طن سنويًا لكل رخصة، بإجمالي 800 ألف طن، وبذلك يصل إجمالي الطاقات الجديدة المستهدف إضافتها إلى 2.8 مليون طن سنويًا، والأهم أن الهيئة أعلنت صراحة أن أحد أهداف الطرح هو توفير الاحتياجات الأساسية لمصانع الدرفلة الوطنية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.


وتابع: “فالدولة هنا لم تكتف بفرض رسوم على البليت المستورد، وإنما بدأت بالتوازي محاولة زيادة إنتاج البليت محليًا،لـ 2.8 مليون طن والذى قد تغير شكل السوق إذا دخلت الطاقة الجديدة بالكامل إلى الإنتاج الفعلي فإن إضافة 2.8 مليون طن من البليت سنويًا يمكن أن تغير هيكل السوق بدرجة كبيرة، لكن المشكلة أن الرخص الصناعية لا تعني إنتاجًا فوريًا، كون هناك فرق بين طرح الرخص، وترسيتها، وتوفير الأراضي والتمويل والمعدات، وإنشاء المصانع، وبدء التشغيل التجاري، ولهذا فإن الأزمة الحقيقية تكمن في الفترة الانتقالية.


وشدد الخبير الاقتصادى  على أن الدولة لا تختار هنا بين منتج مصري ومستورد أجنبي فقط، فهي تحمي منتج البليت المحلي من الواردات، لكن أحد أكبر المشترين لهذه الواردات هو مصنع مصري آخر يقوم بإضافة قيمة عليها وتحويلها إلى منتج نهائي، ومن هنا فإن السياسة المثالية لا ينبغي أن تكون حماية المصانع المتكاملة على حساب الدرفلة، ولا حماية الدرفلة على حساب منتجي البليت، والمطلوب هو حماية سلسلة القيمة بالكامل، بمعنى أن تعمل مصانع البليت المحلية بكفاءة، وأن تحصل مصانع الدرفلة على احتياجاتها من الخام، وأن يظل هناك عدد كافٍ من المنتجين لضمان المنافسة، وأن يحصل المستهلك على الحديد بسعر يعكس التكلفة الحقيقية، وهو ما تعمل على تحقيقه الحكومة الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *