تأتي مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الثامنة عشرة لتجمع” بريكس”، المقامة اليوم ،وغداً 13 سبتمبر 2026، في لحظة شديدة الحساسية للاقتصاد العالمي، إذ تتصاعد الحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية، وتزداد الاضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، بينما تبحث الدول النامية عن نظام اقتصادي دولي أكثر توازنًا وقدرة على تمويل التنمية، وتتجاوز أهمية المشاركة المصرية حدود الحضور السياسي أو البروتوكولي، لأنها تضع القاهرة على طاولة تجمع يضم قوى اقتصادية وسكانية كبرى، ويمثل في صورته الموسعة قرابة نصف سكان العالم، ونحو 40% من الناتج العالمي وفقًا للقوة الشرائية، وما يقرب من 26 % من التجارة الدولية.
مصر بين الشرق والغرب
من جانبه أكد الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن قمة نيودلهي تمثل فرصة لمصر كي تحول عضويتها في بريكس، التي بدأت رسميًا في يناير 2024، من مكسب دبلوماسي إلى شبكة عملية من المصالح التجارية والاستثمارية والمالية والتكنولوجية، موضحاً أن القيمة الحقيقية لمشاركة مصر لا تكمن في استبدال شريك دولي بآخر، ولا في الانتقال من الاعتماد على المؤسسات الغربية إلى الاعتماد على القوى الشرقية، وإنما في توسيع مساحة الحركة أمام الاقتصاد المصري، وتابع:” فمصر ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، وفي الوقت نفسه تعمل على تعميق تعاونها مع الصين والهند وروسيا والبرازيل ودول الخليج وأفريقيا، وهذه القدرة على التعامل مع دوائر متعددة تمنح القاهرة مرونة أكبر في إدارة مصالحها الاقتصادية، وتقلل مخاطر الاعتماد الزائد على سوق واحدة أو مصدر واحد للتمويل والاستثمار”.
وأردف قائلاً:”وتساعد قمة بريكس مصر على تأكيد أنها ليست طرفًا في سياسة المحاور المغلقة، بل مركز اقتصادي ولوجستي قادر على الربط بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وهي ميزة لا تتوافر لكثير من الدول الأعضاء، خصوصًا مع وجود قناة السويس، والمنطقة الاقتصادية للقناة، وشبكة الموانئ المصرية، واتفاقيات التجارة التي تربط مصر بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية”.
بوابة لزيادة الصادرات المصرية
وأوضح “الجوهرى”، أن أحد أهم المكاسب المحتملة يتمثل في فتح أسواق أوسع أمام الصادرات المصرية، فدول بريكس تضم مئات الملايين من المستهلكين واحتياجات متزايدة من الغذاء والدواء والكيماويات والأسمدة ومواد البناء والملابس والمنتجات الهندسية، ويمكن لمصر زيادة صادراتها إلى هذه الأسواق في قطاعات مثل الأسمدة والبتروكيماويات، و الحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية، و الأدوية والمستلزمات الطبية، و الملابس والمنسوجات،و السيراميك ومواد البناء، والكابلات والأجهزة الكهربائية، والمنتجات الهندسية والكيماوية، و خدمات المقاولات والسياحة والنقل، مشدداً على أن الاستفادة لن تتحقق بمجرد عضوية مصر في التجمع، إذ لا تمثل بريكس منطقة تجارة حرة، ولا تؤدي العضوية تلقائيًا إلى إلغاء الجمارك أو زيادة الصادرات، المطلوب هو تفاوض ثنائي وجماعي لتقليل القيود غير الجمركية، وتسهيل تسجيل المنتجات المصرية، وتوحيد أو الاعتراف المتبادل بالمواصفات، وإنشاء مراكز لوجستية ومعارض دائمة للمنتجات المصرية داخل الأسواق الكبرى.
جذب الاستثمار بدلًا من الاكتفاء بالتجارة
ولفت الخبير الاقتصادى إلى أن مصر تستطيع مصر تقديم نفسها خلال قمة نيودلهي بوصفها قاعدة صناعية وتصديرية تخدم ثلاث قارات، فالمستثمر الذي ينشئ مصنعًا في مصر لا يستهدف السوق المحلية فقط، وإنما يمكنه الوصول إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية من خلال الاتفاقيات التجارية التي تتمتع بها القاهرة، وتوجد فرص حقيقية لاستقطاب استثمارات من دول بريكس في مجالات، صناعة السيارات الكهربائية ومكوناتها، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، و الهيدروجين والأمونيا الخضراء، والصناعات الدوائية والأمصال، و تكنولوجيا المعلومات ومراكز البيانات، و الصناعات الغذائية والتخزين المبرد،و الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، والصناعات الهندسية والإلكترونية،و تحلية المياه وإعادة التدوير،و الموانئ والخدمات اللوجستية،و تصنيع مستلزمات الطاقة والنقل والسكك الحديدية، وتابع:”كما يمكن للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن تكون محورًا رئيسيًا لهذه الاستثمارات، خاصة بالنسبة إلى الشركات الهندية والصينية والروسية التي تريد إنتاج سلع بالقرب من طرق التجارة العالمية والوصول إلى أسواق جديدة بتكلفة أقل”.
الهند شريك اقتصادي يتجاوز حدود القمة
وقال “الجوهرى”، إن انعقاد القمة في نيودلهي يمنح مصر فرصة إضافية لتعميق العلاقات مع الهند، وهي من أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا، وتمتلك خبرة واسعة في الصناعات الدوائية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة المتجددة وصناعة السيارات والصلب والكيماويات، وتستطيع القاهرة جذب الشركات الهندية إلى إنشاء مصانع داخل مصر بدلًا من الاكتفاء بتصدير منتجاتها إلى السوق المصرية، خاصة في الدواء والمواد الفعالة، والمنسوجات، وتكنولوجيا المعلومات، والأغذية، والسيارات ومكوناتها، والطاقة الجديدة، مشيراً إلى أن كما تمتلك مصر فرصة لزيادة صادرات الأسمدة والمنتجات البترولية والكيماوية والحاصلات الزراعية إلى الهند، مع تنشيط التعاون السياحي من خلال زيادة الرحلات المباشرة والترويج للسياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية.
تمويل التنمية بعيدًا عن المصادر التقليدية
وأكد “الجوهرى”، أن مشاركة مصر تكتسب أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل الخارجي وتقليل الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل والأموال الساخنة، ومن أبرز الأدوات المتاحة بنك التنمية الجديد التابع لبريكس، الذي انضمت إليه مصر قبل انضمامها الكامل إلى التجمع، ويمكن للقاهرة استخدام عضويتها لدعم تمويل مشروعات في النقل والطاقة النظيفة والمياه والصرف الصحي والتحول الرقمي والبنية الأساسية، ويتميز هذا المسار بإمكانية توجيه التمويل إلى مشروعات إنتاجية تحقق عائدًا اقتصاديًا وتزيد قدرة الدولة على التصدير، بدلًا من استخدام الاقتراض في تغطية الاحتياجات الجارية.
العملات المحلية وتقليل تكلفة التجارة
ومن حيث أهم الملفات المطروحة في قمة نيودلهي، قال الخبير الاقتصادى:” تطوير نظم المدفوعات العابرة للحدود، ودراسة زيادة الترابط بين العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، بهدف تسريع المعاملات وتقليل تكلفتها، حيث تدفع الهند باتجاه ربط محتمل للعملات الرقمية الرسمية بين دول بريكس، رغم وجود تحديات تقنية وسياسية كبيرة أمام التنفيذ ويمكن لمصر أن يؤدي التوسع المدروس في استخدام العملات المحلية إلى تقليل الطلب المباشر على الدولار في بعض المعاملات التجارية، و خفض تكاليف تحويل الأموال وتسوية المدفوعات، و تسريع عمليات الاستيراد والتصدير، و تشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على دخول أسواق جديدة، و تقليل أثر تقلبات الدولار على بعض العقود.
وتابع:”ومع ذلك، لا يعني هذا الاستغناء عن الدولار أو إنشاء عملة موحدة لبريكس في المدى القريب، فالعملات المحلية تحتاج إلى آليات مقاصة واضحة، واتفاقيات تبادل عملات، وأسواق صرف ذات سيولة كافية، فضلًا عن معالجة الاختلالات التجارية بين الدول، وإذا كانت مصر تستورد من دولة أكثر مما تصدر إليها، فسوف تتراكم لديها حاجة إلى عملة هذه الدولة، ما لم تتوافر ترتيبات تمويل أو مقاصة متعددة الأطراف، ولذلك ينبغي التعامل مع هذا الملف باعتباره وسيلة لتسهيل التجارة وتنويع التسويات، وليس حلًا سحريًا لأزمة النقد الأجنبي”.
ماذا تحتاج مصر بعد القمة؟
وأشار “الجوهرى”، إلى أنه كى تتحول المشاركة إلى عوائد قابلة للقياس، يجب إعداد برنامج تنفيذي يتضمن تحديد قائمة بالمشروعات المصرية الجاهزة للتمويل والاستثمار، مع دراسات جدوى واضحة، و إعداد خريطة دقيقة للسلع القابلة للتصدير إلى كل دولة من دول بريكس، و إنشاء وحدة لمتابعة الاتفاقيات واللقاءات التي تعقد على هامش القمة، وجذب مصانع من دول التجمع إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتفاوض على تسويات تجارية محددة بالعملات المحلية وفق حجم التجارة الحقيقي، ومساعدة الشركات المصرية في التسجيل والحصول على شهادات الجودة اللازمة لدخول الأسواق الجديدة، و ربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بمنصات بريكس للابتكار والتمويل، و زيادة التعاون السياحي والطيران المباشر مع الهند والصين والبرازيل، وتوجيه التمويل الخارجي إلى مشروعات إنتاجية وتصديرية، و إعلان مؤشرات دورية توضح حجم الاستثمارات والصادرات وفرص العمل الناتجة عن عضوية بريكس.
وأشار “الجوهرى”، إلى أن مشاركة مصر في قمة نيودلهي، تمثل فرصة لتوسيع العلاقات الاقتصادية الدولية، وتنويع الأسواق ومصادر التمويل والاستثمار، وتعميق التعاون في التجارة والطاقة والتكنولوجيا والنقل والأمن الغذائي، كما تمنح القمة مصر مساحة لتعزيز شراكتها مع الهند، وتطوير علاقاتها مع الصين وروسيا والبرازيل ودول الخليج وأفريقيا، مع الحفاظ على علاقاتها بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، وتابع:”الرهان الحقيقي أمام مصر هو الانتقال من دبلوماسية المشاركة إلى اقتصاد النتائج، ومن عضوية بريكس على الورق إلى شبكة إنتاج وتمويل وتجارة تجعل مصر مركزًا مؤثرًا بين الشرق والغرب، وبوابة عملية تربط دول التجمع بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية”.